كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 2)
وفي حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ هذا دليلٌ واضح على ذلك، وفيه تفسيرُ الآية، وهو أولَى ما قيل به في تفسيرِها. وقال ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباس، وأُبَيُّ بنُ كعب: إنَّ معنى الآيةِ في الإماءِ ذواتِ الأزواج، وأنَّهُنَّ إذا مُلِكْنَ جاز وَطْؤُهُنَّ بملكِ اليمين، وكان بَيعُهُنَّ طلاقَهُنَّ (¬١). والتفسيرُ الأوَّلُ عليه جُمهورُ الفقهاء.
وقد روَى أبو علقمةَ الهاشميُّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ هذه الآية، قولَه عزَّ وجلَّ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} نزَلتْ في سَبايا أوطاسٍ (¬٢). وقاله الشعبيُّ (¬٣) وأكثرُ أهل التفسير.
حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (¬٤): حَدَّثَنَا عبدُ الأعلَي، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي الخليل، أنَّ أبا علقمةَ الهاشميَّ حدَّثه، أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ حدَّثهم: أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَث يومَ حُنينٍ سَرِيَّةً، فأصابوا أحياءً من أحياءِ العربِ يومَ أوطاسٍ، فقتَلوهم وهَزَموهم وأصابوا نساءً لَهُنَّ أزواجٌ، فكأنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تأثَّموا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجِهِنَّ، فأنزَل اللهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} منهنَّ، فحلالٌ لكم.
---------------
(¬١) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٧/ ٢٨٥ (١٣١٦٨) و (١٣١٦٩)، وتفسير ابن جرير الطبري ٨/ ١٥٨ - ١٥٥، والأوسط لابن المنذر ٨/ ٥٩٤.
(¬٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٧١٥٩)، وأحمد في المسند ١٨/ ٢٣٥ (١١٧٩٧)، ومسلم (١٤٥٦) (٣٣)، وأبو داود (٢١٥٥)، والترمذي (٣٠١٦)، والنسائي (٣٣٣٣). أبو علقمة الهاشمي: هو المصري، يقال: مولى عبد الله بن عباس. مولى بني هاشم، ويقال: حليف بني هاشم.
(¬٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٧١٦٦).
(¬٤) في المصنَّف (١٧١٥٩)، وعنه مسلم (١٤٥٦) (٣٤)، وينظر ما سلف في التعليق قبل السابق. عبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى البصري. وسعيد: هو ابن أبي عروبة. وأبو الخليل: هو صالح بن أبي مريم الضُّبعي مولاهم، أبو الخليل البصريّ.