كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

134…
ما تصبر المرأة عن زوجها؟
ولماذا خصّوا حفصة بالسؤال؟ كان يمكن أن يخص عمرُ ابنته حفصة بالسؤال، لو كان الأمر يتعلق بحكم شرعي جهله عمر، وأراد عمر أن يسأل حفصة عما سمعتُه أو رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن هذا الأمر تُسأل عنه النساء بعامة، فلماذا لم يسأل عمر أزواجه.
بل إن الأمر لا يحتاج إلى سؤال امرأة عنه، لأنَّ الرجل يدرك ذلك ويعرف من خبرته بالنساء.
وعُمر العبقري، لا يغيب عنه هذا الأمر.
قوله: في رواية البيهقي: " فقالت: ستة أو أربعة أشهر " .. لماذا بدأ بالأكثر وانتهى بالأقلّ: وكان حقه أن يقول: أربعة أو ستة أشهر، ليكون الأكثر هو الأقصى في الزمن الذي تصبر فيه المرأة.
ولعلَّ الرواية مصحّفة عن حكم " المفقود " ولتأييد أحد القولين في المسألة.
حيث روى البخاري في كتاب " الطلاق " باب " حكم المفقود في أهله وماله " وقال سعيد بن المسيب: إذا فُقد في الصف عند القتال تَرَبَّصُ امرأتُه سنةً ـ بالنون ـ وفي رواية عبد الرزاق " وإذا فُقد في غير الصَّف فأربع سنين ".
قال ابن حجر: واتفقت النسخ والشروح والمستخرجات على قوله "سنة" إلا ابن التين، فوقع عنده " ستة أشهر " ولفظ ستّة تصحيف ولفظ أشهر، زيادة .. وأنا أظنُّ أنَّ القصة حيكت حول بيت من الأبيات الأربعة يتداوله النحويّون وهو:
فوالله لولا اللَّهُ تُخْشَى عواقِبُهْ لزُعْزِعَ من هذا السرير جوانُبهْ
.. وهذا البيت يتداولونه على جواز ذكر خبر المبتدأ بعد " لولا " لأن جملة "تُخْشى " خبر المبتدأ " الله ".
ولما كان البيت المجهول، لا يشهد به، اخترعوا له قصّة، ليصبح منسوباً إلى عصر الاستشهاد. وزادوا عليه من قبله ومنْ بعده.

الصفحة 134