كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

154…
أصدُقك، إنه كتب: كم تُغلُّ أرضكم؟ فقال مجاشع: ما بين كلامه وجوابك هذا أيضاً قرابة! ثم كفأ على الكتابة جفنةً ودعا بغلام من الكُتاب فقرأه عليه، فالتفت إلى نَصْرٍ فقال: يا ابن عمّ ما سيرك عُمَرُ إلى خيرٍ، قم فإنَّ وراءَك أوسعُ لك، فنهض مُسْتَحْيِياً وعدل إلى منزل بعض السلميين، ووقع لجنبه وضني من حُبّ شُميلة ودنف حتى صار رحمةً، وانتشر خبرهُ، فضرب نساء البصرة به المثل، فَقُلْنَ: " أدنف من المتمنّى " .. ثم إنْ مجاشعاً وقف على خبر علّة نصر، فدخل عليه عائداً، فلحقته رقةٌ لما رأى به الدَّنف، فرجع إلى بيته، وقال لشُميلة: عزمْتُ عليك لمّا أخذتِ خبزاً فلبكته بسمنٍ ثم بادرت إلى نصرٍ فبادرت به إليه، فلم يكن به نهوض، فضمتْه إلى صدرها، وجعلت تلْقمه بيدها، فعادت قُواه وبرأ كأنْ لم تكن به قَلْبةٌ، فقال بعض عُوّاده، قاتل الله الأعشى حيث قال: لو أسْندتْ ميتاً إلى نحْرها عاش ولم يُنْفَلْ إلى قابر فلما فارقتْ عاوده النُّكْس، ولم يزل يتردد في علته حتى مات منها.
2 ـ الرواية البَصْرية الثانية: وقال المدائني: إنَّ عُمَرَ لما أخرج نَصْراً من المدينة إلى البصرة، قال نصرٌ: يا أمير المؤمنين، أعلمهم أنك إنما أخرجتني لهذا الشِّعْر، لا لغيره.
وروى عن قتادة: أن نصراً لما أتى البصرة دخل مجاشع بن مسعود عائداً له، وعنده شُميلة بنت جنادة بن أبي أُزيهر، فجرى بينهما كلام، ولم يفهم منه مجاشع إلا كلمة واحدة من نصر قال "وأنا" فلما خرج نصر، قال لها: ما قال لكِ؟ قالت: قال لي: كم لبن ناقتكم هذه، فأخبرتُه.
قال: ما هذا جواب كلامه؟ وأرسل إلى نصر، فسأله وأعظم عليه، فقال: قالت لي: إنني أُحبك حباً شديداً، لو كان فوقك لأظلّك، لو كان تحتك لأقلّك، فقلتُ: وأنا.
قال: فأنزل لك عنها؟ قال: أذكرك الله أنْ يبلغ هذا عُمر، مع ما فعل بي. وأما حديث العامة، فيقولون: كتبتْ له في الأرض هذا الكلام فقال: وأنا، فسمعها مجاشع، فلما خرج، أكب قَعْباً على الكتاب ودعا مَنْ قرأه له.

الصفحة 154