كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

156…
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي وقد جُبَّ مني كاهلٌ وسنام (1)
إمامَ الهُدى لا تبتلي الطرد مؤمناً له حُرمةٌ معروفةٌ وزِمام (2)
قال الجاحظ: ردَّه عُمَرُ بعد هذه الأبيات لما وَصَفَ له من عفّته.
وقال صاحب الأوائل: فلما وصلت الأبيات إلى عُمَر، ونظر فيها كتب إلى أبي موسى الأشعري وأمره بالوصاة به، إنْ أحبّ أن يقيم بالبصرة وإنْ أحبَّ الرجوع إلى المدينة فذاك إليه، قال: فاختار الفتى المقام بالبصرة، فلم يزل مقيماً بها إلى أن خرج أبو موسى إلى محاربة أهل الأهواز. فخرج معه نصر بن حجاج وحضر معه فتح تُسْتَر.
وقال الزجاجي: إن نصراً أرسل هذه الأبيات إلى عمر حين نفاه إلى البصرة فبعث إليه عُمر: أنْ لا رجْعة، فارتحل إلى البصرة فنزل على مجاشع ..
ثانياً ـ نقد القصة البَصْرية (من حياة نصر بن حجاج):
1 ـ ليس للقصة بروايتها المتعددة سند متصل أو منقطع يُعتمد عليه؛ فكل مَنْ روى جزءاً منها، يفصله عن عصر القصة مئات السنين .. ومَنْ روى جزءاً منها عن قتادة، لم يذكر لنا سنده إلى قتادة، ولم يذكر قتادة سنده إلى زمن القصة، حيث ولد قتادة سنة 61هـ وتوفي سنة 117 هـ.
ونقل ابن حجر في الإصابة عن الخرائطي بسندٍ ليّن من طريق محمد بن سيرين، جزءاً من القصة.
ومحمد بن سيرين ولد سنة 33 هـ ولم يشهد القصة، وتوفي سنة 110 هـ. ولعمري إن سند القصة ليس ليناً فقط، وإنما هو سند هالك مهترىء، لأن المتن…
__________
(1) قوله "راجعي" من الفعل رجع، وقد جاء القرآن بتعديته، فقال تعالى: (فإن رجعك اللَّهُ ... )
(2) قوله: "لا تبتلي الطرد مؤمناً" المعروف أن الفعل "ابتلى" يتعدى لمفعوله الثاني بالباء، فيقال " "ابتلى الله المؤمن بالفقر" ولكن الشاعر في البيت عدّى الفعل إلى المفعولين بنفسه.

الصفحة 156