كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
157…
الذي يرويه هذا السند الذي يقولون أنه ليّن، لا يقبله شرعٌ، ولا عَقْلٌ، كما سيأتي بيانه.
2 ـ وواضع قصة نصْر البَصْرية، قاصٌّ غِرٌّ، لم ت حنكه تجارب وضْع القصص لأن قصته ضعيفة الحبكة، مهلهلة النسج، يظهر أنه كان يرويها لجماعة من الحاطبين، أو لأهل الريف الذين لم تصلهم الثقافة الإسلامية ولم يعرفوا شيئاً من أدوات المدنيّة .. هؤلاء الذين صوّر لنا طرفاً من فكْرهم، بديع الزمان في المقامة البغدادية وغيرها.
.. ذلك أن هذا القاصّ، يريد من السامع أن يعطل فكره، أو يريد سامعاً معطل الفكر.
3 ـ مجاشع بن مسعود السُّلمي، صحابي، له رواية في الصحيحين وغيرهما، ومن القوّاد الفاتحين، وما نسبوه إليه من أحداث القصة لا يليق بمنزلته.
فقولهم: إنه أنزل نصراً منزله وأخدمه امرأته شميلة من أجل قرابته: كلام يرفضه الواقع الاجتماعي لتاريخ صدر الإسلام: فكونه يُنزل نصراً في بيته إنزالاً دائماً، لا يكون، وإنما يُنزله مدة تكون للضيف.
وأما إخدامه زوجه شميلة، فهذا لا يكون لمسلمٍ صحابي، وقولهم: من أجل قرابته: لا يصح لأن الرابط بين الاثنين كونهما من قبيلة بني سليم، ولا يجمعهما رحم قريب يبيح لزوجة مجاشع أن تخدمه وتجالسه، وتواظب على حضور مجلسهما.
4 ـ أما قولهم إنه كتب لها على الأرض (كذا) فهذا لا يقبله العقل والواقع: وفيه ما فيه من إظهار مجاشع القائد الفاتح، بمظهر الغفلة والحمق:
(أ) وهل كانوا يجلسون على أرض غير مفروشة، ليكتب لها؟
(ب) وإذا كانت الأرض غير مفروشة، هل كانت ساحات بيونهم رملية ليسهل الكتابة عليها.
(جـ) والعبارة التي قالوا إن نصراً كتبها، تساوي سطراً في كتاب مطبوع، ولو كُتب على الأرض لاحتاجت إلى مساحة لا تقلُّ عن خمسة أشبار.
…