كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

167…
... ولعلَّ أحسن منقبة يسجلها له التاريخ الإسلامي: كتابةُ القرآن في مصحف واحدٍ، وجمعُ المسلمين عليه، مما كان له أثر في وحدة المسلمين في زمنه، وفيما أتى من الأزمان إلى قيام الساعة.
* أما الثورة عليه، وحصْرُهُ، وَمَقْتَلُهُ: فهو ظُلْمٌ، وبغيٌ، وخروج على أمبر المؤمنين بغير وَجْه حقّ، ولم ينقمْ عليه الناقمون أمراً يخالف كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكلُّ مَنْ شارك في حصره وساعد في قَتْله، إنما فعل ذلك عصبيةً، وطيشاً، وجهالةً وليس مع واحد منهم حجةٌ تبيح حصره في منزله، أو عَزْله عن منصب الخلافة، وأما قَتْلُه فهو ذنب لم يُغْتَفَرْ.
ولا عيب فيه إلا أنَّه كفَّ سيفه عن قتال مَنْ ينطق الشهادتين، وأنه لم يرغب أن يكون أول مَنْ سنَّ رفع السيف في وجه المسلمين، وأنه كان ليّن العريكة كثير الإحسان والحلم ..
* ومع صحّة وسلامة السياسة التي اتخذها عثمان في سياسة الرعيّة ـ وإنْ خالفت سنة عمر ـ إلا أنها ربما جاءَت مبكرة في غير وقتها .. وكنا في حاجة إلى سياسة عمر عقداً أو عقدين من الزمان، لنطمئنَّ إلى تطبّع جميع المسلمين بالطبع الإسلامي: فالعرب الذين كانوا في عصر عثمان لم يكونوا جميعاً من الصحابة، أو أبناء الصحابة، ولم تكن المدينة ومكة جامعة العرب جميعهم، فهناك عربُ البوادي، وأقاليم الجزيرة البعيدون عن مركز الدعوة في الحجاز، وهؤلاء أكثرهم ممن أسلم ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، أو مِنْ أبنائهم.
وكانوا يحتاجون إلى سياسة عمر التي تقومُ على التثقيف والتقويم والمراقبة والمحاسبة، لينشأ الجيل الثاني وقد صقلتْه التربية الإسلامية ..
أقول هذا: لأن الذي خرجوا على عثمان لم يكونوا ـ في أغلبهم ـ من الصحابة الذين شافهوا رسول الله، أو من التابعين الذين تربوا في المدينة ومكة في كنف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وعندما نقرأ في كتب التاريخ ـ إذا صح ما قالوا ـ أن الأمويين كانوا يصفون أهل المدينة بأنهم قتلة عثمان، لا يقصدون…

الصفحة 167