كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

169…
والذي تدلُّ عليه مجموع الأخبار عن موقف عثمان من أمر الدفاع عنه والاستسلام لقدر الله، هو أنه كان يكره الفتنة ويتقي الله في دماء المسلمين، وكان يودُّ لو كانت لديه قوة راجحة يهابها البغاةُ فيرتدعون عن بغيهم بلا حاجة إلى استعمال السلاح .. وكان لا يظنُّ أنَّ الجرأة تبلغ بفريق من المسلمين إلى أن يتكالبوا على دمه، فلما تذاءَب عليه البغاةُ واعتقد أنَّ الدفاع عنه تُسْفكُ فيه دماء المسلمين عزم على كلِّ مَنْ له عليهم سمعٌ وطاعةٌ أن يكفوا أيديهم وأسلحتهم. بل كان يظنُّ أن الحوار مع هؤلاء الخارجين قد يقنعهم ويردهم، فيشرف عليهم ويذكرهم بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
وبلغ حُسْنُ طنّه بهم، أنه أباح للمسلمين أن يصلوا مع إمامهم .. حيث روى البخاري في باب "إمامة المفتون والمبتدع" من كتاب "الأذان" عن عبيد الله بن عديّ بن خيار "أنّه دخل على عثمان بن عفّان وهو محصور، فقال: إنك إمامُ عامّة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمامُ فتنةٍ، ونتحرّجُ، فقال: الصلاةُ أحسنُ ما يعملُ الناسُ، فإذا أحسنَ الناسُ فأحسنْ معهم وإذا أساءُوا فاجتنبْ إساءَتهم".
* والذين شاركوا في قتل الخليفة، أو حرضوا عليه، لا تدفعهم إلى ذلك دوافع شرعية، بل منهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش، ولم تكن لهم في الإسلام سابقة، فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية جزاء جهادهم وفتوحهم، فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد.
وفيهم الموتورون من حدود شرعية أُقيمت على بعض ذويهم، فاضطغنوا في قلوبهم الإحنة والغلَّ لأجلها.
وفيهم مَنْ أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرتْ منهم تخالف أدب الإسلام، فأغضبهم التعزير الشرعي…

الصفحة 169