كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
170…
وفيهم المتعجلون بالرياسة فبل أن يتأهلوا لها، اغتراراً بما لهم من ذكاء خلاّب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة، فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبّانه.
* ولا تلتفتنَّ إلى ما يُروى في كتب التاريخ والأدب عن موقف الصحابة وأهل المدينة من قصة عثمان: فليس هناك أحدٌ من الصحابة في المدينة ولا من تابعيهم وأولادهم، مَنْ حرّض عليه، أو قعد عن نصرته ولو استنصر عثمانُ، ما غلبَ ألف أو أربعة آلاف من الغرباء الخارجين عشرين ألفاً أو أكثر من أهل المدينة، ولكن عثمان ـ رحمه الله ـ ألقى بيده إلى المصيبة .. حيث اختار في ذلك أهون الشرين، فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين .. فكأنه افتدى دماء المسلمين بدمه مختاراً .. * ولا تلتفتَنَّ أيضاً، إلى ما يرونه من أسباب الخروج على عثمان، فأكثرُ ما يذكرونه، أسانيده منقطعة، أو واهية، ومتونهُ يظهر فيها رائحة الوضع القصصي، وليس فيما ذكروه من الأسباب ـ إنْ ثبت وقوعها ـ ما يبرر الخروج والتحريض والقتل، لو كان الخارجون ممن ذاقوا طعم الإيمان والإسلام.
ولْيكفَّ الذين يعرضون التاريخ لتلاميذ المدارس عن سرْد ما يرويه المؤرخون من أسباب الخروج على عثمان ولْنقتصر في دراسة حياته وعصره على مناقبه وجهاده، والفتوحات التي تمت في زمانه، وإذا سئلنا عن سبب مقتله؟ فلنقلْ قتلتْه فئةٌ باغية بدوافع دنيوية.
وكونُ هذه الفئة لم تخلع رِداء الإسلام، فإنَّ عثمان أبى أن يرفع في وجهها السيف، لئلا يكون أول مَنْ سنْ إراقة الدماء الإسلامية في الفتنة.
* فإن قيل: لماذا لم يخلع عثمانُ نفسه من الخلافة، بناءٌ على رغبة الخارجين عليه؟ الجواب: لأنَّ الصحابة، وتابعيهم أهل الحلّ والعقل ـ في المدينة النبوية ـ لم يطلبوا منه أن يخلع نفسه.
ولأنه ثبت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، حيث ثبت من طرق متعددة عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله قال لعثمان "إن الله عزَّ وجلَّ مُلْبسك قميصاً…