كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

173…الناس في العصر الحديث بعد خمسة عشر قرناً من عصر الدعوة، فكيف نتساهل في نسبتها إلى رجل عاش في العهد النبوي، وفي عهد الخلفاء الراشدين، وأوكلوا إليه أعمالاً ذات خطر؟ ثم إنَّ ما وُصِفَ به الوليد بن عُقْبة، كان سبباً في الطعن على الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
والقصة ثمثل جزءاً من تاريخ صدر الإسلام، وتتصل أجزاء القصة وحوادثها بالعقيدة الإسلامية، ومدى تأثيرها في نفوس أهل الصدر الأول، وأخبار هذا الجانب من التاريخ الإسلامي، لا يُتساهل في قبولها، كما يُتساهل في قبول الأخبار التي تتصل بالعمران المدني .. ثم إنَّ الوليد بن عُقْبة: من مسلمة الفتح .. وكثيراً ما تُوجّه المطاعن إلى إسلام هذه الفئة من الناس، ويزعمُ بعض المؤرخين أنهم أسلموا مكرهين، ولم يدخل الإيمان إلى قلوبهم .. وهو زعمٌ باطلٌ بلا ريب ... وأخبار الوليد بن عُقبة، تزيد الرواة فيها، ولعبت بها الأهواءُ المذهبيّةُ، والسياسية ودخلها الوَضْع، وكانت ميداناً لتسابق أهل القصّة في اختبار القدرة على الوضْع وإثبات عبقريتهم الأدبية المُجَنَّحة.
كما تعصّب عليه بعض المؤلفين المظنون فيهم الرويّة والتحرّي في النقل. ولعلَّ الذي تولّى كبره منهم، أبو عُمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينسب إلى صحابي ثبتت صحبيتُه، ما لا يليق من الأخبار دون وريّة وتحرٍّ، ودون أن يكون للأخبار سندٌ صحيح ثابت .. ومن المعروف عن أهل الإنصاف من الؤلفين ألا يضعوا في كتبهم إلا صحيح الأخبار، أو ما هو قريب من الصحيح، إذ كانت الأخبار تقدح في شخص المترجم له. بل إنَّ كثيراً من المصنفين المعتدلين العادلين، يؤولون ما يجدون…

الصفحة 173