كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
174…
من الأخبار القادحة في العادلة، وإن كانت صحيحة السند .. لأن الأخبار المتواترة، والأسانيد الصحيحة، لم تثبتْ إلا لكتاب الله الكريم .. وأما الأحاديث النبويّة، فلم يدّع أحدٌ أن لها ما للقرآن من صحة السند والمتن.
وأصحُّ ما وصلنا من السُّنَّة النبوية، برواية البخاري رحمه الله، ومع ذلك وُجد من العلماء مَنْ يَطعن في بعض رُواته وشهر أن بعض الصحابة كانوا إذا رووا حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: "أو كما قال ص " للاحتراس من النقل الذي لا يوافق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلتُ: لقد شنَّع ابن عبد البرّ بن عقبة، وأصدر عليه أحكاماً دون دليل ثابت، ونقل رواية غير المعتمدين في الجرح والتعديل، في جرحه: فقال ابن عبد البر ـ غفر الله له ـ: "وللوليد أخبارٌ فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله " وليس عنده خبر صحيح في ذلك.
ثم نقل لإثبات قوله، رواية أهل الشعر، بدون إسناد فقال: "كان الأصمعي وأبو عبيدة (معمر بن المثنّى) وابن الكلبي، يقولون: كان الوليد بن عُقبة فاسقاً شرّيب خمر .. ".
ومن أعجب ما قرأتُ، أن يُنْقَل تجريح صحابي عن المجروحين الساقطين: نَعْم: إن الأصمعي (عبد الملك بن قريب) وثقوه في رواية الشعر واللغة ولكنه ليس أهلاً للحكم على الصحابة ـ إن صح عنه هذا القول ـ ثم إن قول: [الأصمعي ـ إنْ صحّ ـ غير مُسند، لأنه متوفى سنة 213 هـ. فقوله مردود ـ وأمّا أبو عبيدة، معمر بن المثنى: المتوفى سنة 210 فهو أيضاً من أهل اللغة والشعر، ولا تُؤخذ أقواله في الرجال ومع ذلك فقد قالوا في ترجمته: إنه من الخوارج، وأنه كان يبغضُ العرب وصنّف في مثالبها كُتباً .. وكان مع معرفته ربما لم يُقم البيت إذا أنشده حتى يكسره، ويخطىء إذا قرأ القرآن نظراً. وذكر ابن النديم في الفهرست أنه عمل كتاب المثالب الذي يَطْعنُ فيه على بعض أتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم. . [انظر: تهذيب التهذيب 248/ 10].
…