كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
180…
(و) قال أبو أحمد: إنّ القصة لعبت بها الأهواء المذهبيّة .. فالوليد: أمويٌّ عثمانيّ، والذي أقحم اسم الوليد في قصة سبب نزول الآية: شيعيّ .. واختاره لهذه القصة: لأنها تتصل بجع الصدقات .. والوليد عمل على صدقات قضاعة في عهد أبي بكر، وعمل على صدقات تغلب في الجزيرة في زمن عمر.
وكتب الشيعة تعيب عثمان بن عفّان بسبب قصة الوليد ...
ونحن لا ننكر أن تكون الآية نزلت في سياق قصة بني المصطلق، ولكن الذي ننكره، أن يكون الوليد هو الموصوف بالفاسق في الآية ... ذلك أن منطوق الآية (إن جاءَكم فاسق) بصيغة التنكير، يدلُّ على الشمول لأن النكرة إذا وقعت في سياق الشرط، عمّت كما تعمُّ إذا وقعت في سياق النفي. قال الشيخ محيي الدين الدرويش رحمه الله في "إعراب القرآن وبيانه " جـ 26: وفي هذا التنكير ردٌّ على مَنْ زعم أنها نزلتْ في الوليد بن عُقبة.
لأن إطلاق الفسوق عليه بعيدٌ، ذلك أن الفسوق، هو الخروج من الشيء والانسلاخ منه، والوليد كما يذكرون، ظنَّ فأخطأ، والمخطىء ـ كما يقول الرازي ـ لا يسمّى فاسقاً ـ.
فالعموم هو المراد، كأنه قال: "أيُّ فاسقٍ جاءَكم بأيّ نبأ فمحّصوه وأعرضوه على محكّ التصويب والتخطئة قبل البت في الحكم، ولا تستعجلوا الأمور ".
وقد جاءَت الآية: (يا أيها الذين آمنوا) .. في سياق نداءات متعددة إلى المؤمنين بعامة: بدأت بالنداء لتوجيه المؤمنين إلى احترام أوامر الله وأوامر رسوله ثم انتقلت الآيات إلى الأدب العام مع المؤمنين: فتوجه الأنظار إلى وجوب النثبت من الأخبار، لأن الأخبار الكاذبة تؤدي إلى الانقسام بين طوائف المسلمين.
(ز) ومما يعكّر على رواية إرسال الوليد بن عقبة، لجمع صدقات بني المصطلق، ويعارضها حديثان موصولا السند إلى رجال ثقات أن الوليد بن عقبة…