كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

184…
فلماذا أراد عثمان أن يكشف عن حال الشهود؟ أليسوا من المسلمين العدول؟ لقد حصلت في زمن عُمر، قصة المغيرة بن شعبة، وشهد مَنْ شهد عليه بالزنى، ولكن عمر حَسَمَ الأمر ساعة وصول الشهود، ولم يتثبت من حالهم .. وهؤلاء الذين شهدوا على الوليد لم يكونوا مجهولين في المجتمع الكوفي ليكشف عثمانُ عن حالهم، فلملذا تأخر في إقامة الحدّ؟ مَنْ يزعم أنه تأخر في إقامة الحدّ، لأن الوليد أخوه، فإننا نقول له إن زَعْمك مردود، ولا يليق بعثمان بن عفان أن يفعل هذا.
والجواب الصحيح: أن عثمان كان يشكُّ في صدق هؤلاء الشهود ويرى أن القصة مُلفقة.
3 ـ ويظهر لي أن عثمان أمر بإقامة الحّد، ليقضي على الفتنة، لأن هؤلاء الشهود شنّوا حملة إعلامية واسعة، في الكوفة وفي المدينة، مما جعل الناس يكثرون القول في القصة، حتى كادت تؤدي إلى فتنة، أوقعت الخليفة في حَيْرة من أمره، وكان يتألم في نفسه لما يبلغه من أقاويل الناس فيه، يدل على ذلك قوله: "فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ ".
(ب) وقد صرّح الإمام مسلم في صحيحه، بما قيل في أمر الوليد، فروى في (باب حدّ الخمر) عن حًضين ـ بالضاد المعجمة ـ بن المنذر، أبو ساسان قال: "شهدتُ عثمان بن عفّان أتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ قال: فشهد عليه رجلان أحدهما "حمران" أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنَّه رآه يتقيأ، فقال عثمانُ: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا عليُّ، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حَسَنُ فاجْلده، فقال الحسنُ: ولّ حارّها مَنْ تولّى قارّها (1) …
__________
(1) قول الحسن "ولّ حارّها مَنْ تولّى قارّها". الحارّ: الشديد المكروه والقارّ: البارد الهنيء الطيب. وهذا مثل من أمثال العرب. قال الأصمعي: معناه: ولّ شدتها وأوساخها مَنْ تولى هنيئتها ولذاتها. والضمير إلى الخلافة والولاية أي: كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيء الخلافة ويختصون به، يتولون نكدها وقاذوراتها، ومعناه: ليتول هذا الجَلْد عثمانُ بنفسه أو بعض خاصة أقاربه الأدنين، والله أعلم.

الصفحة 184