كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
195…
أظنُ ـ والله أعلم ـ أن الذي منع هؤلاء من التصريح، هو الذي أَخّر عثمان عن إقامة الحدّ على الوليد، وأن قصة الشهود كانت فيها شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ... ولكن عثمان فضّل إقامة الحدّ مع الشبهة، على قيام فتنة تموج كموج البحر ولذلك روي أن الوليد حلف لعثمان، وأخبره خبر هؤلاء الشهود، فقال عثمان رضي الله عنه "نقم الحدود ويبوءُ شاهد الزور بالنار".
وقد فَعَلَ عثمانُ فيما بَعْدُ، ما هو أعظم من هذا، عندما قدَّم دمه فداءً واتقاءً لحدوث فتنة يُسَلُّ فيها السيف، حيث منع الصحابة من الدفاع عنه، وأَمرهم بإغماد سيوفهم، لأنه كان يعلم حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذا وُضِعَ السيفُ في أمتي لم يُرفعْ عنها إلى يوم القيامة" [عن الفتح 50/ 13 ـ قال: وأخرجه الطبري وصححه ابن حبان].
الملاحظة الثانية: منذ كانت الكوفة، وأهلها في شغب دائم على أُمرائهم ما يكاد الأمير يحط رحاله حتى تتعالى أصواتهم بالشكوى، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله، شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، فلم يثبت وجُلِدَ الشهود، وعندما جاءَهم الوليد بن عقبة، حمدوه وقتا ً ثم مقتوه [الاستيعاب ـ من ترجمته].
ثم جاءَهم سعيد بن العاص، وكان كريماً جواداً، يُضربُ المثل بجوده، فشغبوا عليه، وولَّوا أبا موسى الأشعري.
وبقيت الكوفة كذلك في العهود التالية، وقد ضُرب المثل بشغب أهل الكوفة حتى سموا مدينة "حمص" الكُوَيفَة، بالتصغير، لأنهم كانوا يكثرون الشكوى من أُمرائهم ...
وفي زمن رواية الحديث شُهر أهل العراق بعامة، وأهل الكوفة بخاصة، بوضْع الأحاديث، والتزيد في الصحيح منها، ولذلك روى ابن سعد في ترجمة الزهري، أنه قال: "نُخرج الحديث شبراً فيرجعُ ذراعاً ـ يعني من العراق ـ وأشار بيده، إذا وَغَلَ الحديثُ هناك، فرويداُ به " أراد التدقيق في الحديث الذي…