كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

199…
الملاحظة السابعة: تقول رواية مسلم: "فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ" لم يذكر لنا حمران أين رآه وكيف رآه ولم يذكر الآخر أين رآه يتقيأ ... فلم تفصّل لنا هذه الرواية الصحيحة السند تفصيلا يحسُن السكوت عليه، عندئذٍ تدخلت الروايات دون الصحيح، بل الروايات غير المسندة، وقدمت أقوالاً لا يمكن الجمع بينها، فحقّ لنا أن نناقشها: وها هي الأقوال:
الأول: نقل ابن حجر في [الفتح 92/ 13] قال المهلب: لأن الوليد كان ظهر عليه ريح نبيذ وشُهر أمره.
وهذا يعني أنه لم يره أحدٌ يشرب، ولك يره أحدٌ يتقيأ.
الثاني: نقل ابن حجر عن المسعودي، في "المروج" أن عثمان قال للذين شهدوا: وما ريكم أنه شرب الخمر؟ قالوا: هي التي كنا نشربها في الجاهلية.
وهذا كلام غريب: فهل عرفوها بلونها؟ ولكن قد يتشابه لون الخمر بأي شراب آخر، فإن الخمر لا تعرف إلا بالمذاق أو بالرائحة، وهل كان هؤلاء الشهود ممن عاشوا في الجاهلية والإسلام، فالقصة حصلت سنة 30هـ وقد يكون فيهم مَنْ لم يشهد الجاهلية، فقد ذكروا أن حُضَين بن منذر، راوي القصة حضر معركة صفين وعمره 19 سنة.
الثالث: قال ابن شبّة: "فسألا عنه، وتلطفا حتى علما أنه يشرب فاقتحما عليه الدار فوجداه يقيء، فاحتملاه وهو سكران .. " وهذه الرواية تناقض الرواية التي تقول إنه زاد في الصلاة لأنه شرب فسكر، فذهب إلى المسجد للصلاة الصبح .. وهذه الرواية تجعله لم يذهب إلى الصلاة. وقوله: فاقتحما الدار: هذا يعني أنه كان يشرب وقت الصلاة لتأخّره عنها وأنه لم يكن محترساً، ولم يكن له بوّاب أو حارس، وكيف يقتحمون الدار وفي الدار نساء، وكيف وضَعُوه على السرير، والسرير يكون في حجرة النوم، وفيها نساؤه؟.

الصفحة 199