كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

207…
عنهم (1) فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر، فقال: إنَّ قدامة سكر، فقال: مَنْ يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة فشهد أبو هريرة أنه رآه سكران يقيء، فأرسل إلى قدامة، فقال له الجارود: أقم عليه الحدّ، فقال له عُمر: أخصمٌ أنت أم شاهد؟ فصمت.
ثم عاوده فقال عمر: لتمسكنَّ أو لأسوءَنَّكَ.
فقال: ليس في الحقّ أن يشرب ابن عمّك وتسوءَني.
، فقال عمر: ما أراك إلا خصماً، وما شهد معك إلا رجلٌ واحد.
فأرسل عُمَرُ إلى زوجة قدامة، هند بنت الوليد، فشهدت على زوجها.
فقال عمر لقدامة: إني أريد أن أحدّك، فقال قدامة: ليس لك ذلك، لقول الله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) .. الآية فقال عمر: أخطأت التأويل، أنت إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ثم أمر به، فجلد، فغاضبه قدامة، ثم حجّا جميعاً، فاستيقظ عُمر من نومه فزعاً، فقال: عجّلوا بقُدامة، أتاني آتٍ فقال: صالح قُدامة، فإنه أخوك فاصطلحا".
ونقل ابن حجر رواية أُخرى للقصة، أن عمر قال للجارود: مَنْ يشهد معك قال: فلان، فشهد الرجل أنه رآه يتقيأ الخمر، قال عمر: لم يقئها حتى شربها، فجلد قدامة.
ويظهرُ ـ والله أعلم ـ أن الذين شهدوا على الوليد، استفادوا من حوادث هذه القصة الواقعية لحبّك قصتهم مع الوليد، للتقارب الواضح بين أحداث القصتين، والأقوال الواردة فيهما.
ومهما كان أمر الوليد، فإنه لا يستحق التشنيع عليه بسبب هذه القصة فقد حدَّ عُمر قدامة بن مظعون على الخمر وكان أمير البحرين، وصالحه عمر بعد ذلك، لأن الذنوب ليست مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة [انظر أعلام الموقعين 124/ 1].

__________
(1) هذا الجزء، من رواية البخاري في كتاب "المغازي" غزوة بدر.

الصفحة 207