كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
211…
الإسلام , وبسبب فتوحاتهم انضم إلى ديار الإسلام أقاليم واسعة. ولو لم يكن عند هؤلاء من الشجاعة والدين , ما يحثهم على الجهاد , ما قادوا الجيوش إلى الجهاد , وفيه مظنة الهلاك , وفيه تَرْكُ الراحة ومتاع الدنيا.
وإذا تتبعت سيرة هؤلاء الولاة , وجدت لكل واحد منهم فتحاً أو فتوحاً في الجهات التي تجاور ولايته , مع مناقب وصفاتٍ حسنة تؤهله للقيادة:
فسعيد بن العاص الذي ولي الكوفة بَعْدَ الوليد بن عقبة: كان من فصحاء قريش ولهذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن. لما روى البخاري في صحيحه (ك 66 باب 3) عن أنس بن مالك .. "فأمر (عثمانُ) زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير , وسعيد بن العاص , وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها (أي الصحف) في مصاحف , وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذ اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن , فاكتبوه بلسان قريش .. ".
وروى ابن حجر [الفتح 19/ 9] فقال عثمانُ: "مَنْ أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم , زيد بن ثابت , قال: فأيُّ الناس أعرب؟ وفي رواية "أفصح" قالوا: سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد ". وقال: أُقيمت عربية القرآن على لسان سعيد بن العاص لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أدرك من الحياة النبوية تسع سنين , وقُتِل أبوه يوم بَدْرٍ مشركاً , قتله علي بن أبي طالب.
واقرأ معي هذا الخبر الذي يدلُّ على قوة إيمانه: حيث رُوي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص , لم أقتلْ أباك , وإنما قتلتُ خالي العاص بن هشام فقال سعيد: لو قتلْته لكنت على الحقّ , وكان على الباطل , فأعجب عُمر بجوابه.
وفي أيام ولايته الكوفة غزا طبرستان ففتحها , وغزا جرجان , وكان في عسكره حُذيفة وغيره من الصحابة.
وكان مشهوراً بالكرم والبرّ , حتى إذا سأله السائل وليس عنده ما يعطيه كتب له بما يريد أن يعطيه مسطوراً .. , [الإصابة ـ ترجمة 3268].
…