كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
212…
وكان ـ يرحمه الله ـ يحبُّ جَمْع شمل المسلمين , ويكره الفتنة , ويفرُّ منها .. ولاّه عثمان الكوفة , بعد الوليد بن عقبة , ووفد إلى المدينة مرّة , وعندما عاد إلى الكوفة جنَّدَ أهلُ الشعب جنودهم ومنعوه من دخولها , فعاد ولزم المدينة .. وهؤلاء الذين منعوه من العدة إلى الإمارة كان منهم قتلة عثمان ومع ذلك , اعتزل الجمل وصفين , وحثّ أهل الجمل على القعود عن الخروج [الطبقات 34/ 5].
هذه هي سيرته: كرم، وشجاعة، وبرٌّ، وجهادٌ، وفصاحة أشبه ما تكون بفصاحة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أملى على زيد بن ثابت هذا المصحف الذي نقرؤه اليوم ... فتأملّ هذه المناقب الثابتة له بالرواية الصحيحة، وقارنها بما يذكرون من مثالبه التي لا سَنَدَ لها، وتأمل فيمن أشاعها .. فتظنَّ أنها ملفقة، لأنها تجمع في الرجل النقيضين: الكرم والبخل، والبرَّ والتوحّش، والفهم والجهل، والجهاد والنكوص
.. وهذا لا يعقل اجتماعه في رجل سويّ.
يزعم الرواةُ ـ بلا إسناد ـ أنه عندما ولي سعيد الكوفة بعد الوليد كان بعض الموالي يقول: رجزاً [الفتح 57/ 7].
يا ويلنا قد عُزل الوليد
وجاءَنا مجوّعاً سعيد
ينقص في الصاع ولا يزيد
.. وهذا رجزٌ مصنوعٌ , وقصة موضوعة بلا شكّ.
لأن الموالي في سنة 30هـ ـ أي: العبيد , من أسرى الحروب ـ لم يكونوا يحسنون العربية , بُلْه قول الشعر.
ولأنَّ سعيد بن العاص المشهور بالكرم والبرّ , لا يمكن أن يوصف بأنه…