كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
213…
"مجوّع" وإذا مدح الناسُ والشعراء الوليد بكرمه , فإنَّ سعيداً ضرب المثل بكرمه (1) , فكان يُقال له "عُكَّةُ العسل" وقال فيه الفرزدق , يذكر كرمه:
تَرى الغُرَّ الجحاجح مِنْ قُرَيشٍ إذا ما الأمرُ في الحِدْثانِ عالا
قِياماً يَنْظرون إلى سَعيدٍ كأنَّهُمُ يَرَوْن به هلالاً
.. وإذا قال الموالي هذا الرجز في أول مجيء سعيد إلى الكوفة: كيف عرف الموالي سياسة سعيد , وهل جاءَ مجوّعاً أم جاء مشبعاً.
وما علاقة "الصاع" بالجوع والشبع , فالصاعُ مكيال يكيل به الناسُ ما يبيعونه أو يشترونه , ومَنْ كان له حقٌّ في العطاء السنوي , يأخذه دراهم ودنانير , لأن الخراج والجزية تُدفعان كذلك.
والغريب أن الرواة يسوقون هذا الخبر في سياق ينقضُ بعضُه بعضاً حيث يقولون: "فولّى عثمانُ سعيد بن العاص الكوفة فسار فيهم سيرة عادلة , فكان بعض الموالي .. الرجز".
فكيف تكون السيرة عادلة , ويوصف بأنه جوّع الموالي؟!
فقد كان الخيرُ كثيراً يسعُ الجميع , ويفيض , والسيرة العادلة تجعل الخير يعم الناس.
ورحم الله المؤرخين القدماء , فقد كانوا حسني الظنّ بالقُرّاء , فجمعوا في كتبهم الروايات المتناقضة , وحسبوا أن القراء في جميع العصور يستطيعون تمييز الغثّ من السمين , وعذرهم أنهم كانوا يؤلفون لأهل عصرهم , وما عرفوا أنّ القرون التالية ستحفل بمن يحتطب بليلٍ ...
أقول هذا , لأن ابن سعدٍ يروي في ترجمة سعيد من [الطبقات 32/ 5] بلا إسناد , ويقول: "قالوا" ومَنْ هؤلاء الذين قالوا؟ يقول: قالوا: "فلما قدم سعيدٌ…
__________
(1) انظر قصص كرمه الذي يفوق كرم حاتم الطائي في [البداية والنهاية 58/ 8].