كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

217…
الشام. ثم جاء البائس التعيس (1) أحمد أمين، فأوجد وَجْه شبه بين رأْي أبي ذرّ، ورأيْ مَزْدك الفارسي، وباض وفرّخ الشيطانُ في عقل أحمد أمين، وفي قلبه فأوحى إليه أن وجه الشيه جاء من أن ابن سبأ كان في اليمن، وطوّف في العراق وكان الفُرس في اليمن والعراق قبل الإسلام، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقّى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذرّ حسن النيّة في اعتقادها. [عن فجر الإسلام ص 110] ..
وكلُّ ما قيل في قصة أبي ذر، مما يُشنع به على عثمان بن عفان، باطلٌ، لا يُبنى على رواية صحيحة. وكلُّ ما قيل حول اتصال أبي ذر بابن السوداء، باطل لا محالة.
والصحيح: أن أبا درٍّ ـ رضي الله عنه ـ نزل في الربذَّة باختياره، وأن ذلك كان بسبب اجتهاد أبي ذرّ في فهم آيةٍ خالف فيه الصحابة، وأصرَّ على رأيه، فلم يوافقه أحدٌ عليه، فطلب أن ينزل بالربذة التي كان يغدو إليها في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يكن نزوله بها نفياً قسرياً، أو إقامة جبرية، ولم يأمره الخليفة بالرجوع عن رأيه لأنَّ له وجهاً مقبولاً، لكنه لا يجب على المسلمين الأخذ به.
وأصحُّ ما روي في قصة أبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ ما رواه البخاري…
__________
(1) قلتُ: البائس التعيس، لأنه جلب التعاسة والبؤس لنفسه، بهذه الآراء التي وضعها في سلسلته المظلمة "الفجر والضحى، والظهر" فطعن في رجالات الإسلام وطعن في الأحاديث الصحيحة. وقد أمهله الله في الأجل بعد صدور الطبعة الأولى سنة 1928م، وعاش ثلاثين عاماً، لعله يرجع عما أثبته في كُتُبه، ولكنه مات مُصرا ً على ذنبه، وتحمل وزرها، ووزر مَنْ تأثر بها إلى يوم القيامة.
وأنا أشفق عليه من هذا المصير، فله حسناتٌ، ولكنها مغمورة في بحر من ظلماته. وأرجو أن يقوم أهلُه ومحبوه، بإعادة النظر في كتبه ومحو ضلالاته منها، لعَلّه يُخَفّفُ عنه في قبره، فكتبه مازالت تُنْشر، ويعدُّها جَهَلةُ المدرسين مصدراً رئيسياً من مصادر التاريخ الإسلامي، وأرجو الله أن يغفر له، لأنني أُحبُّه كاتباً أدبياً يقلّ نظيره في العصر الحديث، ولكنه وضع السمّ َ في الدسم، فأفسده.

الصفحة 217