كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

218…
رحمه الله في صحيحه: كتاب الزكاة ـ باب "ما أُدّيَ زكاتُه فليس بكنز، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمسة أوراق صدقة ".
عن زيد بن وهب قال: "مَرَرْتُ بالرَّبَذَة (1)، فإذا أنا بأبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ فقلتُ له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشام، فاختلفتُ أنا ومعاوية في "والذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله ".
قال معاوية: نزلتْ في أهل الكتاب، فقلتُ: نزلتْ فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، زكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتُها، فكثُر عليَّ الناسُ حتى كأنهم لم يَرَوْني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان، فقال لي: إنْ شئت تنحيْت فكنتَ قريباً.
فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أَمَّروا عليَّ حبشيّاً لسمعْتُ وأَطعْتُ" ... ونأخذ من هذا الحديث ما يأتي:
1 ـ سأله زيد بن وهب، ليتحقق مما أشاعه مُبْغِضُو عثمان: هل نفاه عثمان أو اختار أبو ذر المكان؟ فجاء سياق الكلام أنه خرج بعد أن كثر الناسُ عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام، وليس في نصّ الحديث أن عثمان أمره بالذهاب إلى الربذة، بل اختارها بنفسه، ويؤيد هذا، ما رواه ابن حجر عن عبد الله بن الصامت قال: "دخلتُ مع أبي ذر على عثمان فحسر رأسه، فقال: واللَّهِ ما أنا منهم ـ يعني الخوارج.
فقال: إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة، فقال: لا حاجة لي في ذلك، ائذن لي بالربذة قال: نعم " [الفنح 274/ 3].
2 ـ قوله: كنتُ بالشام: بيّن السبب في سكناه الشام ما أخرجه أبو يعلى…
__________
(1) الريذة: بالرّاء، بعدها باء موحدة والدال المعجمة. كانت منزلاً في الطريق بين العراق ومكة، وكانت قرية عامرة ولكنها خربت سنة 319هـ بسبب الحروب وتقع اليوم في الشرق إلى الجنوب من بلدة الحناكية (مائة كيل عن المدينة في طريق الرياض) وتبعد شمال مهد الذهب على مسافة 150 كيلاً.

الصفحة 218