كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
219…
عن طريق زيد بن وهب " حدثني أبو ذر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا بلغ البناءُ ـ أي المدينة ـ سَلْعاً، فارتحل إلى الشام، فلما بلغَ البناءُ سَلْعاً قدمتُ الشام فسكنتُ بها ".
3 ـ إنَّ فقه أبي ذرٍ في المال، جاء من اجتهاده في فهم الآية الكريمة (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليهم في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) [سورة براءَة: 34 ـ 35].
فأبو ذر يرى أن كلَّ مال ٍ مجموعٍ يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كَنزٌ يُذمُّ فاعله. وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وروى البخاريُّ عن أبي ذر ما يدلُّ على أنه فسّر الوعيد (يوم يحمى عليها .. الآية) وكان يخوف الناس به، فعن الأحنف بن قيس قال: "جلستُ إلى ملأ من قريش ـ في مسجد المدينة، فجاءَ رجلٌ خَشنُ الشعر والثياب والهيئة، حتى قام عليهم، فسلَّم ـ ثم قال: بشّر الكانزين برَضْفٍ (1) يُحمى عليه في نار جهنم ثم يوضَعُ على حَلَمة ثَدْي أحدهم، حتى يخرج من نُغْض (2) كتِفه، ويوضع على نُغض كتفه حتى يخرج من حَلمة ثديه، يتزلزل (3)، ثم ولّى فجلس إلى ساريةٍ، وتبعتُه وجلستُ إليه وأنا لا أدري مَنْ هو، فقلتُ له لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قُلْتَ، قال: إنهم لا يعقلون شيئاً". [كتاب الزكاة].
واستدل أبو ذرٍّ رضي الله عنه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أُحبُّ أنَّ لي مثل أُحُدٍ ذَهَباً، أنفقُه كُلَّه، إلا ثلاثة دنانير".
…
__________
(1) الرضف: بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة، بعدها فاء: هي الحجارة المحماة، واحدها رضفة.
(2) نغض: بضم النون وسكون الغين المعجمة، بعدها ضاد معجمة: العظم الدقيق الذي على طرف الكتف أو على أعلى الكتف. (3) يتزلزل: أي: يضطرب ويتحرك.