كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
220…
4 ـ وقد خالف جمهورُ الصحابة أبا ذر، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وربّما كان ذلك واجباً في بداية الأمر، ثم نُسِخ.
واستدلوا على ذلك بالحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري، قال: قال النبيُّ ص: "ليس فيما دون خمسِ أوراقٍ صدقة.
وليس فيما دون خمس ذَوْد صدقةٌ وليس فيما دون خمسة أوْسُق صدقةٌ" [البخاري ـ باب الزكاة].
وقد بوّب البخاري لهذا الحديث، ولأحاديث أبي ذر، وحديث لابن عمر ستأتي روايته، بعنوان "باب ما أُدي زكانُه فليس بكنز، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمس أوراقٍ صَدقةٌ" وقال الشُرّاح: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث للترجمة أن الكنز المنفيَّ هو المتوعد عليه، الموجب لصاحبه النار، لا مطلق الكنز الذي هو أعمُّ من ذلك وإذا تقرر ذلك، فحديث "لا صدقة فيما دون خمس أواق" مفهومه أنَّ ما زاد على الخمس ففيه الصدقة، ومقتضاه أن كل مالٍ أُخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه، فلا يسمى ما يفضلُ بعد إخراجه الصدقة كنزاً.
وقالوا أيضاً: وجه التمسك بهذا الحديث أن ما دون الخمس، وهو الذي لا تجب فيه الزكاة قد عُفِي عن الحقّ فيه، فليس بكنزٍ قطعاً، والله قد أثنى على فاعل الزكاة، ومَنْ أثنى عليه واجب حقّ المال، لم يلحقه ذمٌّ من جهة ما أثني عليه فيه وهو المال.
وقال ابن حجر: ما لم تجب فيه الصدقة لا يُسمّى كَنْزاً لأنه معفوّ عنه، فليكن ما أُخرجت منه الزكاة كذلك لأنّه عُفي عنه بإخراج ما وجب منه فلا يُسمّى كنزاً.
وروى البخاري في الباب عن خالد بن أسلم قال: "خرجنا مع عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فقال أعرابيٌّ: أخبرني عن قول الله: (والذين يكنزون الذهب) .. الآية قال ابن عمر: مَنْ كنز فلم يؤدّ زكاتها فويلٌ له، إنما كان هذا…