كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
222…
الشدّة، ثم يخرج إلى قومه، يسلّم، لعلّه يشدّد عليهم ثم إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخّص فيه بَعْدُ، فلم يسمعه أبو ذرٍّ فيتعلق لأبو ذرّ بالأمر الشديد" [المسند 125/ 4].
6 ـ قوله: "إنْ شئْت تنحّيْت فكنت قريباً" يدل على أن عثمان طلب من أبي ذرّ أن يتنحّى عن المدينة، برفق، ولم يأمره، ولم يحدد له المكان الذي يخرج إليه، ولو رفض أبو ذرّ الخروج، ما أجبره عثمانُ على ذلك ولكن أبا ذر كان مطيعاً للخليفة، لأنه قال في نهاية الحديث "ولو أمّروا عليَّ حبشياً لسمعتُ وأطعتُ" ومما يدلُّ على أنه يمقت الفتنة والخروج على الإمام المبايع، ما رواه ابن سعد في [الطبقات 227/ 4] أن ناساً من أهل الكوفة قالوا لأبي ذرّ وهو بالربذة: إنَّ هذا الرجل فعل بك وفعل، هل أنت ناصبٌ لنا راية ـ يعني فنقاتله ـ فقال: لا، لو أن عثمان سيّرني من المشرق إلى المغرب لسمعتُ وأطعتُ".
7 ـ والسبب في تنحّي أبي ذر عن المدينة، أو طلب عثمان منه ذلك، أن الفتنة بدأت تطلُّ برأسها في الأقاليم، وأشاع المبغضون الأقاويل الملفقة وأرادوا أن يستفيدوا من إنكار أبي ذر في خدمة مأربهم، واجنمع الناسُ إليه ليسمعوا منه ما ينكره، وكان أبو ذرّ متعلقاً برأيه ومذهبه، ولا يريد أن يفارقه، فرأى عثمان رضي الله عنه تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة مصلحة كبيرة من بثّ علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجع عند عثمان دفعُ ما بتوقع من المعتمدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة.
8 ـ قال أبو بكر بن العربي: كان أبو ذر زاهداً، ويرى الناس يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم .. فوقع بين أبي ذر ومعاوية كلام في الشام، فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطرق فقال له عثمان "لو اعتزلت" معناها إنك على مذهب لا يصلحُ لمخالطة الناس .. ومَنْ كان على طريقة…