كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
224…
جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع عليه الناسُ يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت عليَّ، لو وضعتم ... " الحديث.
وبين صاحب الحلية أن الذي خاطبه رجل من قريش، وأن الذي نهاه عن الفتيا عثمان رضي الله عنه. [الفتح 161/ 1].
فقولهم: إن الذي نهاه عن الفتيا، عثمان بن عفان، لم تثبت عند البخاري لأن راوي الخبر عن أبي ذر مرثد بن عبد الله الزماني.
نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب، عن العقلي، أنه لا يتابع على حديثه. ووثقه ابن حبان والعجلي.
والبخاريُّ ـ رحمه الله ـ متأدب جداً مع الصحابة رضوان الله عليهم فلا يروي عنهم خبراً إلا إذا بلغ في الصحة غايته، وقد يأخذ من الخبر بعضه، لأنه يصح عنده، ويترك بعضه، لأنه لا يصحّ عنده، كما رأينا سابقاً في قصة الوليد بن عقبة، فإنه روى القصة جلده، ولكن لم يصرح بشربه الخمر لأنها كانت من الأقاويل الشائعة، وربما لم يطمئن إلى الذي شهدوا على الوليد، ولأنها مقرونة بفتنة، وفي الفتنة يكثر الكذب.
وفي قصتنا هذه، لم يرو أن عثمان نهى أبا ذر عن الفتيا، لأن نهي الصحابي عن الفتيا دون تحديد الموضوع، أمرٌ ليس بالهيّن.
8 ـ ولو كان عثمان نهاه عن الفتيا مطلقاً، لاختار له مكاناً لا يرى فيه الناس، أو حبسه في المدينة، أو منعه من دخول المدينة.
ولكن أذن له بالنزول في منزل يكثر مرور الناس به، لأن الربذة كانت منزلاً من منازل الحاج العراقي، وكان أبو ذرٍّ يتعاهد المدينة، يصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال له عثمان: "لو تنحيت فكنت قريباً" والريذة ليست بعيدة عن المدينة، وكان يجاورها حمى الربذة الذي ترعى فيه إبل الصدقة، ويذلك يروى أن عثمان أقطعه صرمة من إبل الصدقة، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقاً. قال ياقوت: وكانت الربذة من أحسن المنازل في طريق مكة.
…