كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

225…
أما رواية الطبري عن سيف بن عُمر أن عبد الله بن سبأ لقي أبا ذر في الشام وحرضه على معاوية: فهو خبر ساقط وكاذب، تكذبه وقائع التاريخ الزمنية، وبالتاريخ تكشف الكذابين: وإليك البيان:
1 ـ يذكرون أن ابن سبأ أسلم في عهد عثمان، وكان يهودياً من اليمن، وبدأ نشاطه المخرّب في الحجاز، ولكنهم لم يذكروا أنه التقى أحداً، أو التقاه أحدٌ في الحجاز.
2 ـ كان أول ظهوره في البصرة، بعد أن تولى عبد الله بن عامر عليها، بثلاث سنوات.
وعبد الله بن عامر جاء بعد أبي موسى الأشعري سنة 29 هـ وبهذا يكون ظهوره في البصرة سنة 32 هـ.
وقد طرده ابن عامر من البصرة يوم عرفة.
3 ـ والمرحلة الثالثة: قالوا: إنه توجه إلى الكوفة، فباض وفرخ، فطرد ولم يذكر اسم الوالي الذي طرده وكان على البصرة في هذا الزمن سعيد بن العاص، ولا بدَّ أنه أمضى في الكوفة سنةً ليظهر أثره ثم يطرد سنة 33هـ.
4 ـ المرحلة الرابعة: وصل إلى الشام، والتقى أبا ذر، وحرضه على معاوية .. ولا بدَّ أنه مكث زمناً في الشام ليتعرف على أحوال الرجال، ويضع خططه ليبث دعوته فيهم، ولنفرض جدلاً أنه عُرف أمره في الشام في أواخر سنة 33هـ.
5 ـ فماذا تقولُ أيها القارىء: إذا عرفت أن الروايات الصحيحة تقول: عن أبا ذر كانت مناظرته لمعاوية سنة 30هـ، وأنه رجع إلى المدينة، وتوفي بالربذة سنة 31هـ، أو سنة 32هـ[الإصابة ـ ترجمة أبي ذر]. ومعنى هذا أن ابن سبأ ظهر في البصرة في وقت كان فيه أبو ذر ميتاً. فكيف، وأين التقاه؟!
فهل كنتُ ظالماً عندما قلتُ: إن أحمد أمين، بائس وتعيس، وأنه كان غِرّاً وقع في حبائل المستشرقين، مع أنه يدّعي التزام المنهج العلمي الذي يقوم على إعمال العقل.
* * *

الصفحة 225