كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

227…
وسئل عمر بن عبد العزيز، ما نفقتك؟ قال: الحسنة بين السيئتين: اخذه من قوله تعالى: (والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوماً). وكان عمر بن عبد العزيز معروفاً بالزُّهد.
وقال تعالى: (قُلْ مَنْ حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).
وقال الله تعالى: (لا تحرّموا طيبات ما أحلَّ اللَّهُ لكم ولا تعتدوا).
وقال تعالى: (وابتغ فيما آتاك اللَّهُ الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا * وأحسنُ كما أحسن اللَّهُ إليك ولا تبغ الفساد في الأرض).
فهذه الآيات، والآثار، تدلُّ على أن الزهد، لا يعني الابتعاد عن الطيبات ولكن فيها حثٌّ على الاستماع بما خلق اللَّهُ لنا ورزقنا مع الاعتدال والتوسيط ويؤكد هذا المفهوم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، "سدّدوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيءٌ من الدُّلْجة، والقصد القصدَ تبلغوا" وقد بوّب له البخاري بعنوان "القصد والمداومة على العمل".
ويوّب البخاري: باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "هذا المالُ خَضِرَة حُلْوةٌ".
وقول الله تعالى: (زُيْنَ للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنينَ والقناطير المقنطرةِ من الذهب والفضّة) .. الآية قال عمر: "اللهمَّ إنا لا نستطيعُ إلا أن نفرحَ بما زيّنتَه لنا، اللهم إني أسألك أنْ أُنفقه في حقّه".
ولعلّ السلوك الأمثل في الزهد، ما بينه الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في كتاب النكاح، وفيه قصة الرجال الذين سألوا عن عبادة النبيّ ص، فلما أُخبروا تقالّوا أعمالهم، فقرر بعضهم أن يصوم الدهر وقرر آخر اعنزال النساء، وآخرون: أن يصلوا الليل أبداً فعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم بقصتهم فقال: "أما واللَّهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

الصفحة 227