كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
228…
قال الطبري: فيه الردُّ على مَنْ مَنَع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل.
وقال عياض: هذا مما اختلف فيه السلف فمنهم مَنْ نحا إلى ما قال الطبري، ومنهم مَنْ عكس واحتج بقوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) [الأحقاف: 20]. قال: والحقُّ أن هذه الآية في الكفّار، وقد أخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأمرين.
قال ابن حجر في [الفتح 106/ 9] لا يدلُّ ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين.
قال: والحقُّ: أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفّه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات، لأنَّ مَنْ اعتاد ذلك قد لا يجده أحياناً فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحذور.
كما أنَّ مَنْع تناول ذلك أحياناً يفضي إلى التنطّع المنهيّ عنه، ويردُّ عليه صريح قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) كما أنَّ الأخذ بالتشديد في العبادة يُفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصاد على الفرائض مثلاً وترك التنفّل، يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط.
(جـ) مفهوم الآيات والأحاديث والآثار الزهديّة: ويؤخذ من مفهوم ما ورد في الحث على الزهد في الدنيا، أنه جاء على سبيل الاستحباب والندب، لا على سبيل الفرض والواجب، وليس فيها ما يؤكّد أن مَنْ لم يزهد في متاع الدنيا، يكون من أهل النار .. فالزهد إنما كان مستحباً لأنه يُعَدُّ زماماً كابحاً، ومنارة هادية، لإيجاد التوازن بين الدنيا والآخرة والروح والمادة، ولترويض ما قد يصيب النفس من جموح وإغراق في الشهوات وإعراض عن الغايات الشريفة والأهداف السامية. وفيه حثٌّ على الصدقة، لأنّه يهوّن المال في عين صاحبه، وفيه دعوة إلى بذل المال عندما تحتاج إليه الأمة للجهاد.
وظهر لي ـ والله أعلم ـ أن المفهومات التي ذكرتها هي التي جعلت الإمام…