كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
231…
(هـ) هل كان زُهْد أبي ذرٍّ أجنبيّاً عن بيئة صدر الإسلام؟ الجواب: كان زُهد أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ إسلامياً ومن البيئة العربية الإسلامية في المدينة النبوية.
وقد عاش أبو ذر حياة الزهد منذ دخل في الإسلام: حيث قدم أبو ذر إلى مكة ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي في الحرم أياماً قبل أن يلقاه، وليس له طعام أو شراب إلا ماء زمزم [البخاري: باب قصة زمزم ـ وقصة إسلام أبي ذر].
وعندما قدم المدينة كان من أهل الصُّفَّة وهم ـ كما قال أبو هريرة ـ أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مالٍ ولا على أحدٍ، إذا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم صدقةً بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها. [البخاري باب 17 من كتاب الرقاق].
وكأن أهل الصُّفّة منقطعين إلى العبادة، والعلم، والجهاد .. [انظر قصتهم في فصل سابق من هذا الكتاب] وكان عيش أكثر الصحابة بعد الهجرة، كفافاً، وبخاصة في العهد النبوي لما روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: إني لأولُ العرب رمى بسهمٍ في سبيل الله، ورأيتُنا نغزو ومالنا طعامٌ إلا ورقُ الحُبْلة، وهذا السَّمُر، وإن أحدنا ليضعُ كما نضع الشاة ما له خِلطٌ".
وروى البخاريُّ عن خبّاب بن الأرت قال: هاجرنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله تعالى، فمنّا مَنْ مضى لم يأخذ من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عُمير، قُتِل يوم أُحد، وترك نَمرةً فإذا غطينا رأسه بَدَتْ رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه الإذخر، ومنّا من أينعت له ثمرتُه فهو يهدبها" [باب فضل الفقر من كتاب الرقاق].
ومصعب بن عُمير مثلٌ أعلى في الزهد: كان من السابقين إلى الإسلام، ولعله أول مَنْ قدم المدينة من المهاجرين يعلّم الناس القرآن، وكان مصعبٌ وهو بمكة في ثروة ونعمة، فلما هاجر صار في قلّة.
حيث روى الترمذي عن علي رضي الله عنه، قال: "بينما نحن في المسجد إذْ دخل علينا مصعب بن عُمير وما…