كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

232…
عليه إلا بُردة له مرقوعة بفروة، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمّا رآه، للذي كان فيه من النعم، والذي فيه اليوم" [عن الفتح 279/ 11]. فالصحابةُ ـ رضوان الله عليهم ـ منهم منْ استشهد في العهد النبويّ، قبل أن تُفتح الفتوح، وتكثر الأموال، وهؤلاء كانوا، أو كان أكثرهم في حال ليست بعيدة عن حال مصعب بن عُمير.
ومن الصحابة مَنْ عاش إلى أن فتح اللَّهُ عليهم الفتوح: فمنهم مَنْ أعرض عن المال وواسى به المحاويج أولاً فأولاً، بحيث بقي على حال الصحابة قبل الفتح ومن هؤلاء أبو ذرّ رضي الله عنه.
ومنهم مَنْ تبسّط في بعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري أو الخدم والملابس ونحو ذلك، ولم يستكثر.
ومن هؤلاء ابن عمر.
ومنهم مَنْ زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة، أمثال عبد الرحمن بن عوف.
فالذين بقوا ـ بعد كثرة الأموال ـ على حالهم السابقة قبل الفتح، إنما عملوا بالمرغِّبات في ثواب الآخرة، وليبقى ثوابُهم كاملاً غير منقوص في الجنة لما روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً "ما مِنْ غازيةٍ تغزو فتغنم وتسلم، إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم".
ومِنْ ثَمَّ آثر كثير من السلف قلة المال، وقنعوا به، إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة، وإما ليكون المالُ أقلّ، لحسابهم عليه ... وسيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم من البعثة إلى الوفاة، تتراوح بين الفقر وبين الكفاف الذي لا يزيد عن حدّ الكفاية في حالة الغنى.
والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة.
منها عن عائشة: "ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُرّ ثلاث ليالٍ تباعاً حتى قُبض".
وعن عائشة: "ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر".
وعن عائشة: "كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه ليف".

الصفحة 232