كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

233…
وعن عائشة: "كان يأتي علينا الشهرُ ما نوقِدُ فيه ناراً إنما هو التمر والماء إلا أنْ نُؤتَى باللُّحيم".
وعن أنس رضي الله عنه قال: "ما أعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رغيفاً مرقّقاً حتى لحق بالله ولا رأى شاةً سميطاً بعينه قطُّ". [وهذه الأحاديث في الباب 17 ـ من كتاب الرقاق من البخاري].
(و) فالصحابة الذين زهدوا في الدنيا بعد كثرة المال، إنما تابعوا سنةً كانوا عليها في العهد النبوي، بل كان النبيّ صلى الله عليه وسلم عليها.
ومَنْ زهد من التابعين احتاط لآخرته فأخذ بالسُّنَّة النبوية، وحياة مَنْ رأى من الصحابة الزُّهّاد.
والذي وصلنا من اختلاف فقهاء الإسلام في تفضيل الفقر عن الغنى، أو تفضيل الغنى على الفقر، إنما هو مستنبط من فهمهم السيرة النبوية، وحياة الصحابة.
وليس للفكر المسيحي أو اليهودي أو المزدكي، تأثير في سلوك علمائنا وفقههم، لأن حكمة الزهد في الفكر الأجنبي، تختلف في أدلتها وغاياتها عن حكمة الزهد في الإسلام.
وقد نقل ابن حجر في شرح "باب فضل الفقر" من كتاب الرقاق، آراء الفقهاء في الفقر والغنى، أُلخص منه ما يدلُّ على المطلوب:
قال ابن بطّال (علي بن خلف القرطبي ـ 449هـ): طال نزاع الناس في مسألة التفضيل بين الغنى والفقر، فمنهم مَنْ فضّل الفقر، واحتجَّ بأحاديث (باب فضل الفقر من صحيح البخاري) وغيرها، من الصحيح والواهي واحتجَّ مَنْ فضَّل الغنى بأحاديث "إنَّ المكثرين هم الأقلون إلا مَنْ قال بالمال هكذا". وحديث سعد بن أبي وقاص في الوصايا "إنك إنْ تذرْ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" وحديث كعب بن مالك، حيث استشار في الخروج من ماله فقال: "أمسك عليك بَعْض مالك فهو خيرٌ لك " وحديث "ذهب أهل الدثور بالأجور" وفي آخره "ذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء" وحديث عمرو بن العاص "نِعْمَ المالُ الصالح للرجل الصالح" [أخرجه مسلم] ... …

الصفحة 233