كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

234…
قال: وأحسن ما رأيتُ في هذا قول أحمد بن نَصْر الداودي [فقيه مالكي ـ 307هـ] "الفقر والغنى محنتان من الله يختبر بهما عباده في الشكر والصبر، كما قال تعالى: (إنَّا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيّهم أحسن عملاً) وقال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يستعيذ من شرِّ فتنة الفقر ومن شرِّ فتنة الغنى" ... فالفقير والغنيُّ متقابلان لما يعرضُ لكلِّ منهما في فقره وغناه من العوارض فيمدح أو يذم، والفضل كلُّه في الكفاف، لقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلَّ البسط) وقال ص: "اللهم اجعل رزق آلِ محمدِ قوتاً" وعليه يُحمل قوله: "أسألك غناي وغنى هؤلاء" وأما الحديث الذي أخرجه الترمذي: " اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً " فهو ضعيف، وعلى تقدير ثبوته، فالمراد به ألا يجاوز به الكفاف، أي الكفاية ".
قال ابن حجر: " وممن جنح إلى تفضيل الكفاف، القرطبي في "المُفْهم" فقال: جمع الله لنبيه الحالات الثلاث: الفقر، والغنى والكفاف: فكان الأول، أول حالاته، فقام بواجب ذلك من مجاهدة النفس. ثم فُتحت عليه الفتوح، فصار بذلك في حدِّ الأغنياء، فقام بواجب ذلك من بذله لمستحقه والمواساة به، والإيثار مع اقتصاره منه على ما يسدُّ ضرورة عياله، وهي صورة الكفاف التي مات عليها. قال: وهي حالة سليمة من الغنى المطغى، والفقر المؤلم، وأيضاً فصاحبها معدود في الفقراء، لأنه لا يترفّه في طيبات الدنيا، بل يجاهد نفسه في الصبر عن القدر الزائد على الكفاف، فلم يفته من حال الفقر إلا السلامة من قَهْر الحاجة وذل المسألة.
ويؤيده ما جاء من الترغيب في غنى النفس، وما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رفعه " وارضَ بما قسم لك تكن أغنى الناس ".
وأصح ما ورد في ذلك ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً " قد أفلح من هُديَ إلى الإسلام ورُزق الكفاف وقنع " والكفاف: الكفايةُ، بلا زيادة أو نقصان. وقال القرطبي: هو ما يكفُّ عن الحاجات ويدفع الضرورات، ولا يلحق بأهله…

الصفحة 234