كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

235…
الترفهات. ومعنى الحديث: أن مَنْ اتصف بتلك الصفات حَصَل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً " أي: اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذلِّ المسألة، ولا يكون فيه فضول تبعث على الترفّه والتبسط في الدنيا، وفيه حجة لمن فضل الكفاف، لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال، وقد قال: " خير الأمور أوسطها ".
فمن حصل له ما يكفيه واقتنع به أمن من آفات الغنى وآفات الفقر.
قال ابن حجر: وهذا كلُّه صحيح، لكن لا يدفع أصل السؤال عن: أيهما أفضل الغنى، أو الفقر؟ لأن النزاع إنما ورد في حقّ مَنْ اتصف بأحد الوصفين أيهما في حقه أفضل؟ وقد أجابوا عن هذا السؤال بأجوبة كثيرة، إليك بعضها: قال الداودي: إن السؤال: أيهما أفضل لا يستقيم، لا حتمال أن يكون لأحدهما من العمل الصالح ما ليس للآخر، فيكون أفضل.
وإنما يقع السؤال عنهما إذا استويا، بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الآخر قال: فعلم أيهما أفضل عند الله.
وقال ابن تيمية: إذا استوايا في التقوى فهما في الفضل سواء.
وقال ابن دقيق العيد: في الكلام على حديث " ذهب أهل الدثور بالأجور ": إن الحديث يدل على تفضيل الغنى على الفقر، لما تضمنه من زيادة الثواب بالقُرَب المالية.
إلا إنْ فُسْر " الأفضل " بمعنى " الأشرف " بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع، بسبب الفقر، أشرف، فيترجح الفقر.
وقال ابن الجوزي: صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص، وغنيّ ليس بممسك، إذْ لا يخفى أنَّ الفقير القانع أفضل من الغنيّ البخيل، وأنَّ الغنيَّ المنفق أفضل من الفقير الحريص. قال: وكلُّ ما يُراد لغيره ولا يُراد لعينه، ينبغي أن يُضاف إلى مقصوده، منه يظهر فضله. فالمالُ ليس محذوراً لعينه، بل لكونه قد…

الصفحة 235