كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
236…
يعوق عن الله، وكذا العكس، فكم من غنيّ لم يشغله غناه عن الله، وكم من فقير شغله فقره عن الله .. وقال: وإنْ أخذت بالأكثر، فالفقير عن الحظر أبْعد، لأنَّ فتنة الغنى أشدُّ من فتنة الفقر ومن العصمة أن لا تجدَ.
وقال الطبري: لا شكَّ أنَّ محنة الصابر أشدُّ من محنة الشاكر، غير أني أقول؛ كما قال مطرف بن عبد الله: لأَنْ أُعافى فأشكر، أُحبُّ إليّ من أن أُبتلى فأصبر. والسبب فيه ما جُبل عليه طبع الآدمي من قلة الصبر.
وقال أبو عبد الله بن مرزوق: كلام الناس في أصل المسألة مختلف، فمنهم مَنْ فضل الفقر، ومنهم مَنْ فضل الغنى، ومنهم مَنْ فضّل الكفاف، وكلُّ ذلك خارج عن محلّ الخلاف، وهو: أيُّ الحالين أفضل عند الله للعبد حتى يتكسب ذلك ويتخلّق به؟.
هل التقلل من المال أفضلُ ليتفرغ قلبه من الشواغل، وينال لذة المناجاة ولا ينهمك في الاكتساب ليستريح من طول الحساب.
أو التشاغل باكتساب المال أفضل ليستكثر به من القرب بالبرّ والصلة والصدقة، لما في ذلك من النفع المتعدي؟.
قال: وإذا كان الأمر كذلك، فالأفضلُ ما اختاره النبيّ صلى الله عليه وسلم وجمهور أصحابه من التقلل في الدنيا والبعد عن زهراتها.
ويبقى النظر فيما حصل له شيء من الدنيا بغير تكسّب منه، كالميراث، وسهم الغنيمة: هل الأفضل أن يبادر إلى إخراجه في وجوه البرّ حتى لا يبقى منه شيء، أو يتشاغل بتثميره ليستكثر من نفعه المتعدي؟.
وقال آخرون: ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد، ممنوعة، بالمشهور من أحوالهم: فإنهم كانوا على قسمين بعد أَنْ فتحت عليهم الفتوح: فمنهم مَنْ أبقى ما بيده مع التقرب إلى ربّه بالبرّ والصلة والمواساة مع الاتصاف بغنى النفس.
…