كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

237…
ومنهم: مَنْ استمر على ما كان عليه قبل ذلك، فكان لا يُبقي شيئاً مما فُتح عليه به، وهم قليل بالنسبة للطائفة الأخرى، ومَنْ تبحّر في سير السيف علم صحة ذلك، فأخبارهم في ذلك لا تُحصى كثرةً. وحديث خبّاب الذي رواه البخاري، وفيه قوله: " فمنّا مَنْ مضى لم يأخذ من أجره شيئاً .. ومنا مَنْ أينعت له ثمرتُه .. " شاهد لذلك.
والأدلة الواردة في فضل كلّ من الطائفتين كثيرة: فمن أحاديث فضل الفقر ما رواه البخاري (انظر الفقرة (هـ) من هذا الموضوع).
ومن أحاديث فضّل الغنى، حديث سعد بن أبي وقاص، رفعه " إن الله يحبُّ الغنيّ التقيّ الخفيّ " [أخرجه مسلم].
والمراد بالتقيّ مَنْ يترك المعاصي امتثالاً للمأمور به، واجتناباً للمنهيّ عنه.
والخفيّ: إشارة إلى ترك الرياء.
ومن المواضع التي وقع فيها التردد: مَنْ لا شيء له.
فالأولى في حقه أن يتكسب للصون عن ذلّ السؤال، أو يترك وينتظر ما يُفْتَحُ عليه بغير مسألة؟.
فصح عن الإمام أحمد، مع ما اشتهر من زهده وورعه، أنه قال لمن سأله عن ذلك: الزم السوق.
وقال لآخر: استغن عن الناس، فلم أر مثل الغنى عنهم.
وقال: ينبغي للناس كلَّهم أن يتوكلوا على الله، وأن يعوّدوا أنفسهم التكسب، ومن قال بترك التكسب فهو أحمق يريد تعطيل الدنيا.
وقال: أُجرة التعليم والتعلم أحبُّ إليَّ من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس.
وقال أيضاً: مَنْ جلس ولم يحترف دعتْه نفسه إلى ما في أيدي الناس.
وأسند عن عمر: " كَسْبٌ فيه بعض الشيء خير من الحاجة إلى الناس " وأسند عن سعيد بن المسيب، أنه قال عند موته، وترك مالاً " اللهم إنك تعلم أني لم أجمعه، إلا لأصون به ديني ".
قالوا: ولم يُنْقل عن الصحابة والتابعين، أن أحداً منهم ترك تعاطي الرزق مقتصراً على ما يُفتح عليه.

الصفحة 237