كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

240…
في مكة قصّة إسلام عمر بن الخطاب ودخوله على أخته، وبيدها صحيفة فيها سورة طه. وقد أعلم اللَّهُ تعالى في القرآن بأنه ـ أي القرآن ـ مجموع في الصحف في قوله تعالى: (رسولٌ من اللَّهِ يتلو صحُفاً مُطهّرة) [سورة البينة].
وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن كُلُّه مكتوب، لكنه غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور.
وكان مكتوباً على العُسُب واللخّاف ومحفوظاً في صدور الرجال.
ومع حفظه في الصحف وفي الصدور، كان جبريل يعرض القرآن على النبيّ صلى الله عليه وسلم في كل عام مرة، في شهر رمضان وفي العام الذي توفي فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم، عرض عليه مرتين. [كتاب فضائل القرآن من البخاري باب 7].
ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع القرآن في مصحف، لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ص، ألهم اللَّهُ الخلفاءَ الراشدين ذلك، وفاءً لوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية [عن الفتح 12/ 9].
المرحلة الثانية: في عهد أبي بكر رضي الله عنه: وقد نقل إلينا البخاريُّ في الصحيح، قصة جَمْع القرآن في عهد أبي بكر، عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر الصدّيق، مَقْتَل أهل اليمامة ـ في حرب الردّة ـ فإذا عُمَرُ بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إنَّ عُمَرُ أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى إن استحرَّ القتلُ بالقُرّاء بالمواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قلتُ لعمر: كيف نفعلُ شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خيرٌ، فلم يزل عُمَرُ يُراجعني حتى شرح اللَّهُ صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجلٌ شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جَمْع القرآن

الصفحة 240