كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
241…
قلتُ: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يُراجعني حتى شرح اللَّهُ صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف، وصدور الرجال .. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه ".
[البخاري ـ باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن].
والفرق بين المكتوب في العهد النبوي، وما كُتب في عهد أبي بكر: أن القرآن كان مكتوب في العهد النبوي، مفرَّقاً في الصحف والألواح والعُسُب، والكرانيف والقصب .. وأدوات أخرى، ولم تكن مجموعة سورة في خيط واحد .. وأما الذي تم في أيام أبي بكر، فهو كتابة القرآن في صحف كل سورة أو سورٍ في صحيفة مرتبةً آياتُه على ما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكانت مهمة زيد بن ثابت، أن يكتب ما كان مكتوباً في العهد النبوي في صحف، كل سورة في صحيفة مرتبة فيها الآيات ترتيباً توقيفيّاً.
وإذا كان القرآن مكتوب في العهد النبوي، فما الذي خشيه عمر عندما قُتِلَ عدد من القُرّاء في حرب الردّة؟ يَظْهر ـ والله أعلم ـ أن القُرَّاء حفظة القرآن من الصحابة، أخذوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظوه في صدورهم، وهم يرتلونه من حافظتهم كما سمعوه، فإذا مات عدد كبير من حفظة القرآن، قلَّ عدد الصحابة الذي ينقلون القرآن إلى جيل التابعين بالمشافهة المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
فأراد عُمرُ أن يكون هناك قرآن مكتوبٌ يَشْهدُ الحفظة المشافهون على موافقته ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم .. وبهذا يصبح عندنا طريقان للنقل: الطريق الشفويّ، المتواتر، والطريق المكتوب المشهود عليه أنه يوافق القرآن الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
…