كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
242…
وهناك احتمال آخر: وهو أنَّ الصحابيّ القارىء، قد يكون حافظاً للقرآن كله، وقد يكون حافظاً نصفه، وقد يحفظه الصحابي كله إلا سورة، ولهذا كانوا يحتاجون إلى عدد من الصحابة لسماع القرآن كله منهم، عند غياب مَنْ يحفظه كله. وكان المسلمون في وقت جهاد. واحتمال الاستشهاد موجود ويؤيد هذا الاحتمال وما سبقه، ما رُوي أنَّ زيداً لم يكن يكتفي بالنقل من المكتوب حتى يشهد به مَنْ تلقاه سماعاً، مع كون زيد كان يحفظه. وروي أن عمر قال: مَنْ كان تلقى من رسول الله شيئاً من القرآن فليأتِ به وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان. قالوا: وكأنَّ المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب. أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم ألا يُكتب إلا من عَيْن ما كًتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا من الحفظ فقط. ويدل على ذلك أيضاً قول زيد: " فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف وصدور الرجال " أي: أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدر.
ومما يدلُّ على أنَّ السماعَ والمشافهة هي الأصل: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرفٍ فاقرؤوا ما تيسر منه " [البخاري ـ كتاب فضائل القرآن].
ولكن المراعى من الحروف السبعة السماع من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليست كل قراءة ـ وإن صحت معنى ـ معتبرةً وقد أعود إلى هذا المعنى عند الكلام على المرحلة الثالثة من " جَمْع القرآن ".
المرحلة الثالثة في جمع القرآن: في زمن عثمان بن عفّان رضي الله عنه:
ونقل لنا البخاري القصة عن أنس بن نالك قال: " إنَّ حُذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذرْبيجان مع أهل العراق، فأفزع حُذيفة اختلافُهم في القراءَة فقال حُذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمانُ إلى…