كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

245…
هذا، مع أن الأقاليم الإسلامية لم تكن تخلو من الصحابة الذين رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن كبار الصحابة ...
وحُذيفة بن اليمان الذي قدم على عثمان بقصة الاختلاف، أسلم هو وأبوه في أول الهجرة إلى المدينة، وشهد أُحداً والخندق وله بها ذكر حَسَنٌ، وروى حُذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير، وله في المكتب الستة حوالي مئة حديث وكان معروفاً أنه صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى مسلم عن حُذيفة قال: " لقد حدّثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة.
وفي الصحيحين، أنَّ أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحبُ السرّ الذي لا يعلمه غيره " يعني حُذيفة .. ومع هذه المنزلة التي كانت لحُذيفة، ومع ما كان في ناحيته من الصحابة والقُرّاء، فقد قدم حُذيفة إلى المدينة، ليعرض الأمر على الخليفة، وهو يعلم أن الخليفة عنده أهل الشورى في المدينة.
ونذكر دلالةً أُخرى لهذا الخبر، وهي أن المدينة عاصمة الخلافة التي اتسعت أرجاؤها كانت في مركز يَسْهُل قيادة الدولة الواسعة منه .. فالبريد يذهب من المدينة إلى الأقاليم النائية، وتأتي إليها أخبار الأقاليم في وقتٍ قصير، وهذا ينقض بعض ما قاله بعض الجغرافيين المعاصرين، أن المدينة لم تكن تصلح عاصمة دائمة للخلافة، وأيّد نقل العاصمة إلى الشام والعراق فيما بَعْدُ، وقد بينتُ خطل هذا الرأي في مكان سابق من هذا الكتاب، لأن اختيار المدينة عاصمة للإسلام كان من الوحي، ولا يُردُّ الوحيُ بالرأي البشري القاصر.
3 ـ ما صفة الاختلاف في القراءَة الذي أخبر عنه حُذيفة بن اليمان؟ هل كان هذا الاختلافُ طارئاً أم كان موجوداً في العهد النبوي، وفي أيام أبي بكر وعمر؟ للجواب عن ذلك نسجّل التعليقات التالية:
(أ) نستنبط من الأحاديث الصحيحة أنَّ اختلاف الصحابة في قراءة أحرفٍ من القرآن، أو تعدّد القراءات في حرف من القرآن، كان موجوداً في العصر…

الصفحة 245