كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

246…
النبوي، وأقرّ َ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وجوهاً من هذا الاختلاف، وأباح الاختلاف توسعةً.
ويُروى في ذلك أحاديث صحيحة تؤرخ لوجود اختلاف في العهد النبوي، ورَفْع الاختلاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإقرار المختلفّين على ما قرأا.
والقصة الأولى رواها البخاري في كتاب " فضائل القرآن " عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " سمعتُ هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعتُ لقراءَته قإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئْنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدتُ أُساوره في الصلاة فتصبّرتُ حتى سلّم، فلبّبتُه بردائه فقلتُ: مَنْ أقرأك هذه السورو التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت كذبت ـ أي أخطأت ـ فإنَّ رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ فانطلقتُ به أقوده إلى رسول الله، فقلتُ: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلْهُ، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءَة التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أُنزلتْ، ثم قال: اقرأ يا عُمر فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله: كذلك أُنزلتْ: إنَّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسّر منه ".
والقصة الثانية رواها الإمام مسلم في باب " بيان أن القرآن أُنز على سبعة أحرف وبيان معناها ". عن أُبيّ بن كعب قال: " كنتُ في المسجد فدخل رجلٌ يصلي فقرأ قراءّةً أنكرتُها عليه، ثم دخل آخرُ، فقرأ قراءةً سوى قراءَة صاحبه فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: إن هذا قرأ قراءةً أنكرتُها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءَة صاحبه، فأمرهم رسول الله فقرآ، فحسّن النبيُّ ص شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذْ كنتُ في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففضْتُ عَرَقاً. فقال لي يا أُبيُّ: أُرْسِلَ إليَّ أن أقرأ القرآن على حرْفٍ، فرددتُ إليه، أنْ هوّنْ على أُمتي، فردّ إليَّ الثانية، أن اقرأُ القرآن على حرفين، فرددت إليه، أنْ هوّنْ على أُمتي، فردّ إليَّ الثالثةَ، اقرأُه على سبعة أحرف ... ".

الصفحة 246