كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

250…
ذلك ما رووا أن ابن مسعود الهذلي كان يقرأ " حتى حين " " عنّني حين ". ومن ما رواه مسلم، أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: " يا أبا عبد الرحمن، كيف تقرأ هذا الحرف، ألفاً تجده أم ياء (من ماءِ غير آسن) أو من ماءٍ غير ياسن ". ومنها قراءة " وطلح منضود " و " طلع منضود ". ومنها أنَّ الأسديّ يقرأ " تِعلمون وتِعلم، وتِسْودّ وجوه " و " ألم إعهد إليكم " وكلها بالكسر [انظر النشر في القراءات العشر 22/ 1].
2 ـ إن المصحف الذي أمر عثمان بنسخه، ونقرأ فيه اليوم، ليس فيه إلا حرف واحدٌ، هو الحرف القرشي، لأن الصحابة الذين تولوا نسخه، نقلوه عن الصحف التي كتبت في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ونُقِلْت هذه عن المكتوب في العهد النبوي، بإملاء النبيّ صلى الله عليه وسلم على الكاتب، ومُنِعت أو نُسختْ القراءةَ بغير هذا الحرف، لأن الرسول عليه السلام أذن للمسلمين بها للتوسعة، عندما كانت القراءَة شفهية، وفي زمن نزول القرآن أو في الزمن النبوي، حيث كان جيل العرب من القبائل العربية غير القرشية الذين كانوا يعجزون عن الانتقال إلى اللهجة القرشية، أما وقد عمت الكتابة، وامتزج العرب، وسادت لغة قريشٍ بينهم، وتمرست ألسنة العرب بها، فليس للخروج عن اللغة القرشية من سبيل، بل ليس للخروج عن لفظ المصحف العثماني من سبيل.
وكان فِعْلُ عثمان بن عفان، يجمع الناس على مصحف واحدٍ، إلهاماً إلهيّاً، وعملاً مسدداً لأن البقاء على الحروف السبعة التي كانت للتيسير، كان سيؤدي إلى اتساع الاختلاف بين المسلمين، مع تباعد الزمن عن العهد النبوي وكان اختيار اللغة القرشية سديداُ: لأن النبيّ ص، المُوحى إليه قرشي، ونزل القرآن في بيئة تتكلم اللغة القرشية، ووكان جلُّ الصحابة الذين سمعوا القرآن من النبيّ ص، يتكلمون بلسان قرشي سواءٌ أكانوا من مكة أم من المدينة أم من الطائف. ولسان المعلمين من الصحابة والتابعين، لسان قرشي.
3 ـ وعرض الطبري، لنقطة هامة، وهي الإجابة عن سؤال السائلين: فما…

الصفحة 250