كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

251…
بالُ الأحرف الستة، وقد أقرأهنَّ رسول الله أصحابه، وأذن بالقراءَة بهنَّ؟ أَنُسختْ فرفعتْ؟ وما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهنَّ الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أُمروا بحفظه؟ فأجاب ابن جرير؛ جواباً بارعاً، فقال: لم تنسخ الأحرف الستة فترفع، ولا ضيعتْها الأمة، ولكنَّ الأمة أُمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءَته وحفظه، بأي تلك الأحرف السبعة شاءَت .. وضرب مثلاً لها في الفقه: إذا حنث موسر في يمين، فله أن يختار كفارةً من ثلاث كفارات: إما بعتقٍ، أو إطعامٍ أو كسوة.
فكذلك، أُمرت الأمة بحفظ القرآن وقراءَته، وخيرت في قراءَته، بأي الأحرف السبعة شاءَت قرأت، ولعلةٍ من العلل، أوجبت عليها الثبات على حرف واحد قراءَته بحرف واحد، ورفض القراءَة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءَته بجميع حروفه على قارئه بما أُذن له في قراءَته به.
4 ـ أما، ما رووه من وجوه القراءَات السبعة، وأنها هي السبعة المأذون بها، فأوْجَهُ الأقوال في تفسيرها، ما قاله ابن أبي هشام: " إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي وُجّهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة مَنْ حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، فثبت أهلُ كلِّ ناحية على ما كانوا تلقوه سماعاً عن الصحابة بشرط موافقة الخطّ، وتركوا ما يخالف الخط امتثالاً لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة، لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثَمَّ نشأ الاختلاف بين قُرّاء الأمصار مع كونها متمسكين بحرف واحد من السبعة ...
ويقوّي هذا الرأي، أن أكثر الأمثلة التي ذكروها، مما يحتمله رسم المصحف عندما كان خالياً من النقط والشكل.
فمنها ما تتغير حركتُه ولا يزول معناه ولا صورته مثل " ولا يضار كاتب ولا شهيد " بنصب الراء، ورفعها. ومنها ما يتغير بتغير الفعل، مثل " بعد بين أسفارنا "…

الصفحة 251