كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

253…
اللغات الأخرى، ولغات القبائل المجاورة بخاصة، وقد هيأ اللَّهُ الوحدة اللغوية قبل البعثة النبوية بقرون، حيث كان العربُ جميعاً يقدمون إلى مكة للحج إلى البيت العتيق، وكانوا يجتمعون في أسواق عكاظ، والمجاز وذي المجنة، وكانت لقريش تجارة تجوب بها خلال ديار العرب .. وقصة الفيل، ومجيء أبرهة لهدم الكعبة، لصرف العرب عنها، فيها دليل قويّ على أن عرب اليمن كانوا يحجون إلى الكعبة، بل كان وفود أهل اليمن إلى مكة كثيراً، مما جعله يثير نقمة أبرهة على الكعبة.
والقول إن اللغة اليمنية كانت تختلف اختلافاً بيناً عن لغة الحجاز، ـ في صدر الإسلام، وقرون سابقة عليه ـ ليس عليه دليل.
وما كشفه بعض المستشرقين من نصوص اللغة الحميرية، وظهور الاختلاف بينها وبين لغة القرآن، إنما كان ذلك مرحلة سابقة على مرحلة شيوع اللغة العربية الموّحدة .. ونحن لا ندّعي أنَّ العربية ولدت بالصورة التي وصلتنا، ولا ندّعي أن عربية هود عليه السلام، هي العربية التي كانت على عهد إسماعيل عليه السلام فاللغات كانت محكية غير مكتوبة، ويدخلها التغيير مع مرور الحقب الطويلة .. ونقيس الشاهد بالغائب، فنجد صحة ما قلنا.
فخذ مثلاً لهجة عامية دارجة في إقليم من أقاليم العرب، وارصد مفرداتها، وطرق النطق بها، فإنك تجد تغيّراً سريعاً في مدة لا تتجاوز القرن، لأن هذه اللهجات غير مكتوبة ...
أقول: وفي اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وهي اللغة القرشية، مفردات مقتبسة من لغات غير عربية، ووجود هذه المفردات التي عرَّبها العرب، لا يُخرج اللغة عن عربيتها، فاللسان العربي المبين، هو اللسان الذي يفهمه العرب .. وإذا آمنا بأن القرآن نزل بلغة العرب، فلا بدَّ أن نؤمن بوجود هذه المفردات التي اقتبسها العرب من اختلاطهم بالأمم الأخرى وكيف لا يقتبسون، وتجارتهم لم تنقطع مع الأمم المجاورة، والتجارة تعني بضائع وأدوات حضارية مقتبسة، لا بدَّ من اقتباس اسمها معها ... …

الصفحة 253