كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

312…
.. وسار عليٌّ إلى البصرة، والتقى إخوانه طلحة والزبير، واتفقوا على الاجتماع للاتفاق على منهج واحد .. قال ابن كثير في [البداية والنهاية 240/ 7]: فاطمأنت النفوسُ وسكنتْ، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين، فلما أمسوا بعث عليٌّ عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا محمد بن طلحة السجّاد إلى عليّ، وعوّلوا جميعاً على الصلح، وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها.
وبات قتلةُ عثمان بشرِّ ليلة، وباتوا يتشاورون، وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل، فانصرف كلُّ فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كلُّ طائفة إلى قومهم ليمنعوهم وقام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا طرقتنا أهل الكوفة ليلاً، وبيتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب عليّ، فبلغ الأمر علياً فقال: ما للناس؟ فقالوا: بيتتنا أهل البصرة فثار كل فريق إلى سلاحه، وركبوا الخيول ولم يشعر أحدٌ منهم بما وقع .. وظنَّ أهلُ الجمل أنَّ علياً غدر بهم وظن عليٌّ أنَّ إخوانه غدروا به .. وكلٌّ منهم أتْقى لله من أن يفعل ذلك في الجاهلية فكيف، بعد أن بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن؟.
أما قِصّةُ صفّين: فقد قال ابن العربي يصف أخبارها " وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات آلتْ إلى استفعال رسائل، واستخرج أقوال، وإنشاء أشعار وضرب أمثال، تخرج عن سيرة السلف، يقرّها الخَلْفُ (الطالح)، وينبذها الخَلَفُ (الصالح) " [العواصم ص 163].
ومما زاد في اضطراب أخبار صفّين، أنها ليس لها في الكتب الصحاح أصول يبني عليها المؤرخ، ولذلك كثر الانتحال فيها والكذب، ولعبت بها الأهواء، وتبارى في عرضها أهل القصّة.
وجلُّ أخبارها عن رواة مجهولين أو كذابين، وأخفهم وطأة، أبو مخنف، لوط بن يحيى، قال عنه الحافظ الذهبي: أبو مخنف إخباريٌّ تالف، لا يوثق به، وجاء بعده آخرون كانوا شرّاً على تاريخ الإسلام من لوط هذا.

الصفحة 312