كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

316…
والنارُ أولها شرارة، والحرب أولها سهم مُسَدَّد، أو طائش.
إنَّ اللقاء الذي كان بين أهل العراق، وأهل الشام، لا نتوقع أن تكون كل فرقة فيه على رأي واحد، وقلب واحد، كالذي يكون، أو كان في الحروب التي كانت بين المسلمين وأهل الشرك .. في المعارك الإسلامية مع المشركين والكفار، كان هناك رأي واحدٌ وهدف واحد، ولا تتعدد الأهواء فيها ... ونذكّرُ هنا بما روينا في مكان سابق عن البخاري، من قول سهل بن حنيف: " يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم .. " عندما اختلف أهل العراق في قبول التحكيم أو رفضه.
وقول سهل في آخر حديثه يحكي حال المسلمين في المغازي النبوية والفتوحات العمرية " وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلْن بنا إلى أمرٍ نعرفُه، غَيْرَ هذا الأمر ".
(ب) ما طبيعة هذه الجموع المحتشدة (مائة ألف من كل جانب) وكم تكون نسبة أهل الفقه والرواية، والرويّة، والتعقل فيهم .. إنها لقليلة جداً جداً.
.. فالروايات الصحيحة تقول: إنه لم يبلغ الذين حضروا الفتنة من الصحابة ثلاثين صحابياً.
وحضرها من أهل بدر ثلاثة.
وإذا فرقنا هذا العدد على الإقليمين: العراقي والشامي، فسوف يكون نصيب كل إقليم حوالي عشرين صحابياً .. ولا شكَّ أن وجود الصحابة سيكون له أثر في كبح جماح الفتنة عن التمادي، لأنهم سيسعون إلى الإصلاح ما وسعهم الجهد .. ولكن عددهم القليل سيجعل صوتهم قليل التأثير في هذه الجموع الكثيرة.
وإذا كان الجمعُ الكبير من الصحابة قد اعتزل الفتنة، فإن الجمع الأكبر من فقهاء التابعين وعبّادهم، سوف يعتزل الفتنة أيضاً ... وبناءً على ذلك يمكن أن نحلل عناصر السواد الأعظم ممن حضر الفتنة من الإقليمين إلى ما يأتي:
1 ـ في العراق: كان أهل المِصْرين: الكوفة والبصرة، أهل شغب على الأمراء منذ استقر الناسُ في المصرين، ولم يكد يخلو أحدٌ من مطاعنهم.

الصفحة 316