كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
319…
أهل العراق من القراء الذين يبالغون في التديّن، ومن ثم صار منهم الخوارج، فأنكروا على عليَّ ومَنْ أطاعه الإجابة إلى التحكيم .. وصفتّهم هذه قد تجعلهم يخرجون عن الهدف الذي يريده الإمام في وسط المعركة، لأن اجتهادهم وتأويلهم النقصان، قد يدفعانهم إلى القتْل، أي: قتل المسلمين.
قال ابن حجر يصف معتقد الخوارج، وأصل نشوتهم: " وأصل ذلك أنَّ بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان، فطعنوا على عثمان بذلك وكان يُقال لهم القُرّاء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قُتِل عثمان، قاتلوا مع عليّ، واعتقدوا كُفْر عثمان ومَنْ تابعه، واعتقدوا إمامة علي، وكُفْر مَنْ قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير.
ونقل البخاري عن ابن عمر، أنه كان يرى الخوارج شرار الخلق، وأنه قال: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلتْ في الكفّار فجعلوها في المؤمنين. [ك 88 باب 6] .. فأنت ترى أن اعتقاد هؤلاء كفر عثمان ومن تابعه من أهل الشام، كان قبل يوم التحكيم، وأنهم كانوا يلاقون جُنْد الشام وهم يعتقدون كفرهم وجواز قتلهم وشتان ما بين رأي الإمام علي، وهو رأي الإسلام، وبين رأي هؤلاء الخوارج.
فالإمام علي، كان يرى في أهل الشام، مسلمين مؤمنين، خرجوا على طاعة الإمام عليّ، المُبايع، أو شقوا عصا الوحدة، أو هم طائفة من المؤمنين بغوا على إخوانهم، كما جاء في الآية (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... ) الآية.
ولذلك فإن الإمام علي، كان يراسل الشاميين، ويحاورهم، ويحاججهم من وجهة النظر الإسلامية التي هداه اجتهاده إليها، وهو مأجورٌ في اجتهاده، لأنه كانت نيته الإصلاح، ووحدة المسلمين، للتفرغ للدعوة والجهاد.
…