كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

321…
الأشعري وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عبّاس .. ولم يسكن الشام مَنْ يضاهيهم في العلم والرواية.
نعم نزل الشام معاذ بن جبل، وأبوعبيدة بن الجراح .. ولكنهما توفيا أيام طاعون عمواس، في عهد عمر بن الخطاب، قبل أن يستقر أمرُ الرواية والتعليم.
وكان مَنْ سكن العراق يتجمع سكنهم في الكوفة والبصرة .. أما الذين سكنوا الشام، فهم موزعون في أقاليم الشام المتعددة الواسعة، مما يجعل نصيب أهل كل إقليم من اللقاء بالصحابي قليلاً.
وهذا يعطينا مؤشراً إلى أنَّ قاعدة المتفقهين وأهل الدراية والرواية بالشام لم تكن واسعة.
والمعروف أنه بلاد الشام كانت تنزلها سلالات هاجرت أصولها القديمة من اليمن قبل الإسلام بعهود طويلة، ودخلت في الإسلام بعد فتح الشام، فلم يعايشوا الإسلام في مواطنه كما كان الأمر لأهل الحجاز، وبهذا يسهل انقيادهم للأمير.
وقد دعاهم معاوية رضي الله عنه إلى ما رأى أنه الحقّ، فلبوا النداء ولم يكن بين أهل الشام كثير خلاف، وكانوا أطوع لأمرائهم من أهل العراق فالشام كله، لم يعرف له أميراً منذ فتْحه إلا معاوية بن أبي سفيان، فكانوا يعطونه كل التأييد فيما يأمر به، وكان معاوية أيضاً يعطيهم فيرضيهم. ويروون في هذا السياق قصة رمزية. فقد زعموا أن عراقياً دخل الشام على بعير له، فأمسك به واحدٌ من أهل الشام الذين حضروا صفين وقال: هذه ناقتي فقدتُها في صفين، فرُفع الأمر إلى معاوية، فحكم للشامي وقال للعراقي: أعطه ناقته، مع أن موضوع الخصومة بعير، فأخذ الشامي البعير وانصرف الاثنان.
ثم أرسل وراء العراقي وعوضه عن بعيره الذي أخذه الشامي، وقال معاوية له: أخبر صاحبك، أنه قادم لك بقوم لا يفرقون بين الناقة والبعير.

الصفحة 321