كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

322…
وما أظنًّ القصة صحيحة، ولكن واضعها يريد أن يرمز بها إلى مقدار الجهل الذي كان يستولي على سواد جنود أهل الشام، ويبين أسباب إطاعة أهل الشام لمعاوية كما يذكرون أنه صُلّي بأهل الشام الجمعة يوم الأربعاء، ولم يعرفوا ذلك.
وإذا صحَّ هذا الخبر، فإن الصلاة كانت فرضاً من الفروض، ولكن الإمام خطب القوم ووعظهم عقب الصلاة، أو قبلها، فظنَّ بعضهم أنها كانت صلاة جمعة وقد اعتادوا ألا تكون خطبة وصلاة إلا في يوم الجمعة.
وخلاصة ما يُقال: إن في هؤلاء وهؤلاء مِن السفهاء، والجهال، مَنْ يمكن أن تصدر عنهم أفعالٌ، تخالف مقصد معاوية، وعلي، من اللقاء والإصلاح ويصعبُ على الطرفين أن يضبطوا تصرفات جندهم، لكثرته، واتساع رقعة الأرض التي جرت عليها المعركة.
والسفهاء، والجاهلون، من هؤلاء وهؤلاء، هم الذين كانوا يريقون الدماء ولم يثبت أن صحابياً، أو تابعياً فقيهاً، رمى سهماً فأصاب مقتلاً من صحابي أو تابعيّ .. وقُتِل من خيار الصحابة في هذه الفتنة: الزبير، وطلحة، وعمّار بن ياسر.
أما الزبير رضي الله عنه، فقد قتله عمرو بن جرموز، ومعه نفر غواة من بني تميم وهؤلاء الغواة هم الذين أنشبوا الحرب بين الفئتين، وأراقوا دماء المسلمين.
وابن جرموز الذي غدر بالزبير، ليس صحابياً، وقد شهد عصر الصحابة ولكنه حُرمَ رواية الحديث والفقه عنهم، فكان من الغواة الضالين.
وكان الزبير رضي الله عنه، خرج مع أهل الجمل، للإمساك بالمفسدين في الأرض الذين قتلوا الخليفة الشهيد عثمان، واجتمعت كلمة أهل الجمل، والإمام عليّ على ذلك، ولكن الغواة والخوارج لم يرضهم الاجتماع، لأن اجتماع الكلمة سيكون وبالاً عليهم، فأشعلوا نار الفتنة، ودارت رحى القتال، يظنُّ كلُّ فريق الغدر من صاحبه. فلما رأى الزبير ما آل إليه أمر المسلمين، لغلبة الغواة…

الصفحة 322