كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)
323…
والسفهاء على الميدان , انكفأ راجعاً إلى المدينة , لأن بقاءَه يعني الرضا بالحال في وقت صَعُبَ فيه الفصل بين الفريقين لعلوّ صوت الفتنة الذي يرفض الإصلاح , ويصم أُذنيه عن نداء القرآن.
يدلُّ على هذا , ما رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه , قال: لما التقوا , قام كعب بن سور القاضي , وبيده مصحف فنشره , وجال بين الصفين يناشد الناس في ترك القتال , فانطلق الزبيرعلى فرس له .. " [الإصابة ـ ترجمة الزبير , وكعب بن سور].
وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن ابن عباس , أنه قال للزبير يوم الجمل: " أجئت تقاتل ابن عبد المطلب , قال: فرجع الزبير , فلقيه ابن جرموز فقتله ".
وهم يروون هذا الخبر في سياق أن الزبير كان غافلاً عن هذا , فتذكره , فرجع .. والتأويل عندي: أن الزبير , كان على وعي لهدفه ـ وهو الإصلاح ـ ولكنه لما رأى حلول السلاح , مكان الإِصلاح , رجع ولم يقاتلْ.
وقول ابن عباس: " أجئت تقاتل ابن عبد المطلب؟ " فيه حذف , مفهومه " أم جئت للإصلاح وجمع الشمل " وكأنًّ ابن عباس يقول للزبير: إن الهدف الذي جئت من أجله انحرف عن غايته.
أما قصة لقاء عليّ والزبير يوم الجمل، فليس فيها سندٌ صحيح ... والخبر مع الحديث رواه أبو يعلى في مسنده:
حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إيراهيم الدورقي، حدثنا أبو عاصم (الضحاك بن مخلد) عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشي، عن جده عبد الملك عن أبي جَرْو المازني قال:
" شهدتُ علياً والزبير حين تواقفا، فقال له عليٌّ: يا زبير، أنشدك الله أسمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنك تقاتلُ وأنت ظالم لي " قال: نعم، ولم أذكر إلا في موقفي هذا، ثم انصرف " [666/ 2].
…