كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

325…
وقُتِل في أيام صفين: عمّار بن ياسر، وقاتله حُوَيّ بن ماتع، من السكاسك [الجمهرة ص432]. ولم ينقلْ أحدٌ أن معاوية أمر بقتله، أو فرح لمقتله ولم يصف أحدٌ برواية موثوقة، حال عمار عند مقتله: هل كان يحاربُ، أو كان القتلُ غدراً، كما كان ذلك لمن سبقه من الصحابة؟
وكلُّ ما نُقِل عن صولات وجولات عمار يوم صفين، كلام قصصي، ليس له واقع تاريخي .. ليس لأنه جبانٌ في ساحة الوغى، ولكنه يجبُن أمام أخيه المسلم ويكون باطلاً شجاعاً لا يشقُّ له غبار في ميادين الجهاد لنشر الدعوة الإسلامية ولا شك أنَّ عماراً كان على مذهب الإمام علي، الذي لا يرى في أهل الشام كفاراً، أو مرتدين، أو خارجين على الإسلام، أو داعين إلى بدعة، أو منكرين ركناً من أركان الإسلام .. وأكثر ما كانوا يرون فيهم أنهم بغوا على حقّ الإمام في البيعة أو الطاعة، والبغيُ بهذا المعنى لا يخرج صاحبه عن الإيمان بنص القرآن (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .. ) الآية وهم يفهمون أنَّ الإصلاح بين الطائفتين مقدّم على قتال الفئة الباغية، لأن الله تعالى قال: (فأصلحوا بينهم) ثم تأتي مرحلة القتال " فإن بغت إحداهما على الأخرى .. " ومرحلة الإصلاح، لم تَنْتَهِ، ولم ييأس الطرفان من الوصول إلى الإصلاح، ولم يستنفد الطرفان الوسائل كلَّها في سبيل الإصلاح ..
ولعل من معاني " فقاتلوا التي تبغي " امنعوها من البغي، واحجزوا بين الفئتين وامنعوا الظالم من ظلمه على معنى " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " ونصر الظالم، منعه عن ظلمه. والمنع له وسائل كثيرة آخرها القتال بالسيف. فما يذكرونه أن علياً رضي الله عنه قتل كذا وكذا بسيفه في صفين، وأن عماراً فعل ما فَعَلَ، وأن عدد القتلى في الجمل وصفين كذا وكذا من عشرات الألوف .. كل هذا لم ينقله إلينا الرواة بسندٍ صحيح، ولو صحَّ يجب الكفُّ عن ذكره أو تأويله، لأنه لا يعلم حقيقة أمره إلا الله تعالى.
فنكفُّ عن روايته لأنه لم يُنقل إلينا بسند صحيح .. …

الصفحة 325