كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 2)

326…
ونكفُّ عنه، لأنه ليس فيه منقبة للصحابي أو التابعي الذي فعله.
ونكفُّ عنه لأنه ليس فيه قدوة.
ونكف عنه لأن المسلم لا يباهى ولا يعتزّ به، بل يحزن ويتألم لما حدث ونكفُّ عنه، لأننا لا نلغي تاريخاً صحيحاً، وإنما نلغي تاريخاً كاذباً أو فيه شبهة الكذب.
ورحم الله الإمام البخاري، فإن صحيحه، قرآنُ الأخبار، دقةً، وصحةً، عندما نقل طرفاً من أخبار الفتن، كان يحترس من اللفظ والجملة، مع صحتها عند غيره، فلا ينقل من أخبار الفتن إلا ما كان في درجة الحديث الصحيح ووافق شروطه الدقيقة في ضبط الرواية، وقد يكفُّ عن ذكر اللفظة، يرى أنه لا يعلم حقيقة قولها إلا الله .. وإليك قصة هذا الحديث المتعلق بهذه الفتنة التي نتحدث عنها: جاء في كتاب [الصلاة ـ باب 63]: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة بناء المسجد النبوي " كُنَّا نحمل لبنةً لبنة، وعمّار يحملُ لبنتين لبنتين، فرآه النبيُّ ص، فينفض التراب عنه ويقول: (ويح عمارٍ تقتلُه الفئة الباغية) يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار ".
قال ابن حجر في الفتح [542/ 1]: قوله: " يدعوهم .. ".
أعاد الضمير على غير مذكور، والمراد قتلته، كما ثبت من وجه آخر " تقتله الفئة الباغية يدعوهم ... ".
ويظهر أنه لم تأت جملة (تقتله الفئة الباغية) في بعض نسخ البخاري وقد شرحه الشُّرَّاح الذين سبقوا ابن حجر بدون جملة (تقتله .. الخ).
ولهذا قال: أعاد الضمير على غير مذكور في الحديث .. وعلى هذا شرحه ابن بطال والمهلب.
ولكنهما قالا: في قوله: " يدعونه .. " إنما يصحُّ هذا في الخوارج الذين بعث إليهم عليٌّ عماراً يدعوهم إلى الجماعة، ولا يصحُّ في أحد…

الصفحة 326